الاقتصادي

كواليس الصعود الصيني قراءة في كتاب “عربة الهيمنة” للباحث محمد الآنسي

كتب/ عبد الله بن علوي

ــــــــــــــــــــــ

في الوقت الذي ينشغل فيه المحللون السياسيون بمتابعة تفاصيل الحرب الباردة الجديدة بين واشنطن وبكين، ويقيسون موازين القوى عبر تقييم حاملات الطائرات ومعدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي، يأتي كتاب “عربة الهيمنة” للباحث اليمني محمد محمد أحمد الآنسي ليقدم زاوية رؤية مغايرة تماماً للسرديات السائدة. فالأطروحة المركزية للكتاب لا ترى في الصعود الصيني الصاروخي مجرد معجزة اقتصادية لآيديولوجيا وطنية معزولة، بل تعتبره فصلاً جديداً من فصول انتقال رأس المال الاحتكاري العالمي من مركز دولي استهلك قدرته التنافسية والاجتماعية إلى مركز إنتاجي فتي جديد ومؤهل للاستدامة.

وينطلق الآنسي في كتابه من قاعدة تاريخية مفادها أن النخب المالية الدولية الكبرى، أو ما يصفها بالمرابين السلاليين والعائلات المصرفية العابرة للقارات، لا ترتبط بالجغرافيا أو بالدول إلا بمقدار ما توفره هذه الكيانات السياسية من بيئة صالحة لتعظيم الثروة ونفوذ الاحتكار وحمايته. فعبر التاريخ، تنقلت “عربة الهيمنة” مراراً؛ حيث تحركت من جمهورية البندقية إلى هولندا، ومن ثم إلى بريطانيا، وصولاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وفي كل مرحلة تاريخية، عندما يشيخ المركز القديم ويغرق في الديون والاضطرابات الاجتماعية والسياسية، تبدأ هذه النخب بنقل كتلتها النقدية والإنتاجية والتكنولوجية إلى مركز جديد يمتلك طاقة بشرية وإنتاجية هائلة، واليوم يبدو أن هذه العربة قد حطت رحالها بالكامل في بكين.

ولكي يثبت الكاتب عمق هذه الأطروحة، فإنه لا يقف عند التحليل المعاصر فحسب، بل يعود إلى القرن التاسع عشر ليتتبع البنية التحتية الماليّة القديمة التي ربطت النخب المصرفية الأجنبية بالداخل الصيني. ويسلط الضوء في هذا السياق على الإمبراطورية المالية لعائلات بغدادية شهيرة كعائلة ساسون التي لُقبت بروتشيلد الشرق، وعائلة خضوري، وهي الشبكات التي انتقلت من بومباي إلى هونغ كونغ وشانغهاي وسيطرت على تجارة الأفيون والمنسوجات، وتملكت عقارات فاخرة لا تزال شواهدها قائمة مثل فندق السلام في شانغهاي. ويمتد هذا الخيط التاريخي ليصل إلى تأسيس بنك هونغ كونغ وشانغهاي المصرفي (HSBC) عام 1865، والذي يراه الكاتب بمثابة الذراع المالي والقناة الأولى التي ربطت خطوط التجارة والمال الدولية بالاقتصاد الصيني منذ عقود طويلة.

أما في العصر الحديث، فيرى الآنسي أن الطفرة الصينية التي انطلقت مع سياسة الانفتاح بقيادة دنغ شياو بينغ في أواخر السبعينيات لم تكن وليدة الصدفة، بل جرت برعاية ومباركة من النخب المالية والمؤسسات الفكرية الغربية العابرة للحدود. وتجلى هذا الانتقال عبر هندسة “المصنع العالمي” من خلال الهجرة الصناعية وتفريغ الغرب من تقنياته وخطوط إنتاجه الحساسة لصالح المدن الصينية الناشئة مثل شنتشن، سعياً وراء العمالة الرخيصة والقوانين الصارمة. وقد وجد رأس المال العالمي في معادلة “رأسمالية الدولة” التي يطبقها الحزب الواحد بيئة مثالية تضمن استقرار الاستثمارات بعيداً عن تقلبات الديمقراطيات الغربية والاضطرابات العمالية والمحاسبة الضريبية المستمرة، في حين شكلت حيازة الصين لترليونات الدولارات من السندات الأمريكية عملية تجفيف تدريجية للقدرة المالية لـ “العم سام”، تمهيداً لولادة نظام مالي متعدد الأقطاب يتسيد فيه اليوان المشهد المستقبلي.

ولكي تكتمل أبعاد هذه الأطروحة الجريئة، يقدم الواقع الجيوسياسي وقفات موضوعية تثري الفكرة الأساسية دون أن تنقضها؛ إذ يلاحظ المراقبون أن التنين الصيني ليس كائناً مستسلماً أو مجرد أداة طيعة في يد المال الأجنبي. فالقوة الضاربة للحزب الشيوعي الصيني تفرض سيادة مطلقة تعلو على الشركات، وهو ما تجسد بوضوح في حزم الدولة وتحجيمها لنفوذ المليارديرات المحليين أنفسهم مثل جاك ما. هذا يعني أن انتقال “العربة” جرى وفق شروط صارمة وضعتها بكين لحفظ سيادتها. كما أن الصعود الصيني مدفوع أيضاً بمعجزة ذاتية وقوامها التخطيط الصارم بعيد المدى، والإنتاجية العالية للشعب الصيني، والاستثمار الهائل في التعليم والبنية التحتية، وهي العوامل التي جعلت الصين تاريخياً ودون غيرها مؤهلة لاحتضان الثروة والإنتاج العالمي، لتلتقي بذلك مصلحة رأس المال العابر للحدود مع طموحات سيادية وقومية صينية هائلة أنتجت هذا المارد الاقتصادي الحالي.

في الختام، يمثل كتاب “عربة الهيمنة” محاولة جادة وعميقة لتفسير الصراعات الجيوسياسية الراهنة بأسلوب يتجاوز السرديات الإخبارية السطحية؛ فهو لا يراها صراعاً تقليدياً بين الشرق والغرب، بل عملية تسليم وتسلم تاريخية يقودها منطق المال والنخب غير المرئية.

ويضع الكتاب قارئه أمام تساؤل فلسفي وعميق: هل الصين هي القوة العظمى القادمة بإرادتها الوطنية الخالصة، أم أنها المضيف التاريخي الأذكى لعربة الهيمنة العالمية؟ إنها قراءة متميزة تفتح الباب لإعادة التفكير في طبيعة العولمة، وسلاسل التوريد، والحروب التجارية المعاصرة.

رابط التحميل المباشر للكتاب: https://t.me/alalwi_tarem/29

ويتوفر الكتاب في هذا الموقع ايضا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى