الاقتصادي

الحروب الصليبية

وعلاقتها باليهود المرابين

محمد محمد أحمد الانسي
اليمن -صنعاء
 

 

بسم الله الرحمن الرحيم
﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ ۚ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾.

سورة طه الآيات من 123 إلى 127
 

 
مدخل مهم
(1)
هناك فئة بشرية منحها الله امتيازاً وتفضيلاً على العالمين لكنها لم تقدر ذلك التفضيل فأصبحت (شر البرية) و(عبد الطاغوت وشرٌ مكاناً وأضل عن سواء السبيل)، هذه الفئة هم بنو إسرائيل (اليهود).
ولكن، قبل الحديث عن اليهود من المهم أن نعرف بأن الله رب العالمين -العظيم العدل الحكيم، لم يخلق اليهود جنساً خبيثاً -تنزيهاً لله – بل على العكس من ذلك، كان الله قد فضلهم على العالمين وأناط بهم مسؤوليات مهمة جداً وهي وراثة الكتاب والحكم والنبوة، قال الله رب العالمين:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. سورة الجاثية الآية 16
ولكن اليهود “أخبثوا أنفسهم بعصيانهم لله، وبتمردهم وتحريفهم وتبديلهم وإجرامهم وفسادهم فأصبحوا على نحو خبيث”. قال الله رب العالمين تبارك وتعالى:
﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. سورة البقرة الآية 211
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾. سورة النساء الآيات 155 إلى 156
وتنزيهاً لله أن يمنح فئة من خلقه “مسؤولية حمل الكتاب والحكمة والنبوة، دون أن تكون مؤهلة للقيام بمثل هذه المسؤولية”.

هذه الرؤية والقاعدة مرتبطة بتنزيه الله مع كل ما لا يليق به سبحانه وتعالى، وتنطبق على اليهود في إطارهم ومسؤوليتهم التي كانت ملقاة على عاتقهم.
وفي إطار عدم تقدير النعم تنطبق نفس الرؤية أيضاً على البشرية جمعاء، أمام مبدأ التكريم والتفضيل على بقية المخلوقات، المؤكد عليه في قول الله -جل جلاله-﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾.

(2)
علاقة اليهود بالحملات الصليبية
لقد كان اليهود المرابون في الماضي والحاضر، هم من يقوم بالتخطيط، للحروب والفوضى وممارسة الفساد في الأرض؛ لكن اليهود يعتمدون على واجهات وقيادات من النصارى، بينما يقفون في الكواليس وخلف الأقنعة والسواتر، هذه الحقيقة يؤكدها القرآن الكريم ويؤكد عليها قرناء القرآن، في إطار قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. سورة ال عمران الآية 55
(3)
ظروف أوروبا في مرحلة الحملات الصليبية
في أواخر القرن الحادي عشر، كانت أوروبا تشهد ضغوطاً معيشية وصراعات داخلية بين القوى الإقطاعية، وبين السكان الرافضين للعبودية الزراعية.
وفي ظل تصاعد المزيد من أشكال الظلم الاجتماعي، وتفاقم الوضع الداخلي السيء في تلك البيئة المنهارة، سعت الكنيسة الكاثوليكية، بقيادة البابا أوربان الثاني، إلى جمع الممالك والقوى الأوروبية تحت راية مشتركة، وتوجيه طاقة ما يسمى بالنبلاء والفرسان نحو حرب خارجية تخفف اقتتالهم الداخلي وتوسع نفوذ البابوية. ‎[1، 2]‎
كان الدافع المعلن استعادة القدس والأماكن المقدسة من سيطرة المسلمين، وحماية الحجاج المسيحيين.
وتداخلت مع هذه التعبئة مصالح سياسية واقتصادية، شملت توسيع سلطة الكنيسة، والحصول على أراضٍ وثروات جديدة، وتعزيز السيطرة على الموانئ وطرق التجارة الشرقية. ‎[2، 14]‎
(4)
علاقة اليهود المرابين بالحروب الصليبية
في البداية قدم مرتزقة فرسان الهيكل أنفسهم كمتطوعين نذروا أنفسهم لحراسة ما يسمى بالحجاج إلى القدس، وحراساً لدى الكنائس والأديرة، لحماية الأمانات الخاصة بالمصرفيين والمودعين فقد كانت هي الأماكن التي يمارس فيها المصرفيون أعمال الصرافة مستخدمين لأموال ودائع الناس.
في الواقع لقد قام المصرفيون اليهود بتجميع مرتزقة فرسان المعبد من المجرمين المدانين، والفارين من السجون، ثم أضيف إليهم المشاركة الإلزامية من المواطنين والشباب، على طريقة الخدمة العسكرية خاصة أثناء الحملات الموجهة لغزوا بلدان الأمة الإسلامية التي ارتبطت بالنهب والسيطرة على الثروات والمضايق والممرات المائية وطرق التجارة.
ارتبطت نشأتهم بحماية ما يسمى بالحجاج المسيحيين وتأمين رحلاتهم عبر الأراضي المقدسة، ثم اتسع دورهم ليشمل المشاركة في الحروب والدفاع عن الكيانات الصليبية وتثبيت سيطرتها. وأصبحت القلاع والتحصينات التي أداروها قواعد للقتال وحماية الطرق والمواقع، ضمن تنظيم يجمع بين الانضباط الرهباني والقدرة العسكرية.
وتكشف كتابات «برنار دي كليرفو»، أحد أبرز مؤيدي فرسان الهيكل، جانباً من الخطاب الذي ساند تجنيد الرجال فيها؛ فقد رحب في كتابه «في مديح الفروسية الجديدة»، بتحوّل أشخاص وصفهم بأنهم كانوا لصوصاً وقتلة، ورأى في انتقالهم إلى الجماعة منفعة مزدوجة؛ باعتبار أن بلدانهم سترتاح من خروجهم منها، وقوة لرفاقهم الجدد بانضمامهم.

هكذا يرى الكافرون الرافضون لتوجيهات الله، مع أنه عرض ذلك في إطار ما يسمى بالتوبة والتحوّل الديني؛ لكن أهل الكتاب في الأصل (لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق). هكذا وصفهم الله العليم الخبير سبحانه وتعالى.
تم استخدام فرسان الهيكل في الحملة الصليبية الأولى على القدس التي انتهت باحتلال مدينة القدس عام 1099م. وأصبح (بلدوين الثاني)، الحاكم المحتل، وهو الذي أعلن تأسيس فرسان الهيكل عام 1119⁠م.

مع مرور الوقت، سيطر فرسان الهيكل على ما يقرب من 800 قلعة في جميع أنحاء أوروبا والشرق الأدنى، قلاعٌ أصبحت فروعًا مصرفيةً مهيبةً لهؤلاء الممولين الرهبان. وهكذا أصبح فرسان الهيكل أنفسهم قوة مالية وعسكرية ذات صلات مباشرة بالحكام.

(5)
إدارة الأموال
أصبح مرتزقة فرسان الهيكل أبرز مديري الأصول متعددي الجنسيات في أواخر العصور الوسطى، وهذا يعني (إدارة أموال الناس) واستثمارها لصالحهم، كما تفعل اليوم شركة (بلاك روك) و (فانجارد) وغيرهما من بنوك وشركات المرابين الكبرى التي تسمى (عالمية) و(متعددة الجنسيات) وتدير (الأصول المالية) المملوكة للشعوب والبلدان الأخرى.
ومنحوا أيضًا حصة من الأراضي والثروات والأموال التي نهبوها على البلدان المستهدفة باحتلالهم وعدوانهم
ونظراً للتسمية المرتبطة بوظيفة فرسان الهيكل (الدينية/المالية) فقد حصلوا على امتيازات اقتصادية كبيرة، منها الاعفاء من الضرائب وحرية التنقل بالأموال، ولا غرابة فهم أتباع بشكل مباشر للبابا والمصرفيين، وهما الكيانات العليا في حزب الشيطان بكل ما تعنيه الكلمة.
(6)
الخدمات المصرفية
عمل فرسان الهيكل لصالح أقوى عناصر النهب والاجرام في أوروبا كمرتزقة محليين، قبل ان يستخدموا في الحملات الصليبية على بلدان الأمة الإسلامية.
وعملوا في جمع الودائع المالية، وقاموا بالتحصيل والاستثمار كأدوات تابعة للمرابين المصرفيين اليهود، وعملوا في التحصيل الضريبي، وأموال الكنيسة والأديرة ومنها أموال ما يسمى بصكوك الغفران التي كان المرابون خلفها.
فيما يتعلق بإقراض المال، كان فرسان الهيكل بمثابة سماسرة رهن. في القرن الثالث عشر، أقرضت هذه الطائفة ملوك إنجلترا المال مقابل قيمة جواهر تاجهم، وكانوا يحصلون على فوائد بمسميات أخرى في ظل تحريم التعامل بالربا في الظاهر، حيث استمرت ممارسة كالزنا خفية إلى تاريخ انشاء بنك إنجلترا عام 1694⁠م.

(7)
تفكيك فرسان الهيكل

نظراً لتراكم تناقضات التعامل بالربا، والظروف التي تفرض الحاجة إلى إعادة تموضوع وارتداء أقنعة جديدة لاستمرار الخداع. وفي ظل تلك الظروف شعر المصرفيون المرابون والملوك بأن شراكة فرسان الهيكل أصبحت عبئاً عليهم، وسببا في جعل هامش ارباحهم وفوائدهم أقل قرروا تنفيذ مؤامرات حل فرسان الهيكل في فرنسا وساعدهم في ذلك فيليب الرابع ملك فرنسا عام ١٣٠٧، واستخدم المصرفيون المرابون البابا كليمنت الخامس، الفرنسي الأصل، الذي نقل مقر البابوية إلى أفينيون، التي كانت آنذاك على الحدود مع فرنسا. وعليه يديه تمت مصادرة أصولهم، وأمر بحل فرسان الهيكل عام ١٣١١⁠م.
وقد استمر تلاشي فرسان الهيكل، بالتزامن مع تحولات فرضت نفسها وحروب وفوضى شملت بلدان الغرب الكافر كلها.
(8)

أهم الحملات الصليبية
كان مرتزقة فرسان المعبد، الذي انشأهم المرابون المصرفيون وحكام أوروبا، هم الجيش المستخدم في حملات الصليبين، وبدأت الحملة الأولى، بين عامي 1096 و1099⁠م، عقب دعوة أوربان الثاني في مجمع كليرمون عام 1095⁠م. وانتهت باحتلال القدس سنة 1099⁠م، وأفضى التوسع الصليبي إلى قيام مملكة القدس وإمارتي الرها وأنطاكية، ثم كونتية طرابلس لاحقاً، فأصبح الوجود العسكري مرتبطاً بكيانات سياسية تسعى إلى البقاء والتوسع وتأمين الموارد. ‎[2، 3، 4]‎
وجاءت الحملة الثانية، بين عامي 1147 و1149⁠م. ‎[5]‎
أما الحملة الثالثة، بين عامي 1189 و1192⁠م، وكانت مواجهة الصليبيين مع صلاح الدين الأيوبي في حطين والقدس سنة 1187⁠م. بعد هزيمته مرتين عقد اتفاقية العار وسمح لليهود والنصارى باستيطان القدس بعد أن كان القبول بقدوم يهود أو نصارى للسكن في القدس ممنوعاً لقرون.
كانت خطوة صلاح الدين في الواقع استكمالاً وتطويراً لما فعله عمر بن الخطاب سابقاً من تمكين لأهل الكتاب (اليهود والنصارى) من السكن والاستيطان في القدس، وفقا لما ورد في الوثيقة التي تسمى (عمرية) أو اتفاقية (إيلياء) التي تعني (القدس) وشهد عليها وشارك فيه (خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان). انظر [الطبري] و[ابن عساكر] و[ابن القيم الجوزية].
(9)
الجرائم الكبرى التي ارتكبها صلاح الدين الأيوبي
من الطبيعي أن يحمل الصليبيون وداً لصلاح الدين إلى يومنا هذا، لاعتبارات عديدة منها أنه عقد تسوية معهم ليتفرغ لقتال أبناء أمته الإسلامية، وسلم لهم ساحل عكا وساحل الشام كاملاً.

ومن الطبيعي أن يحب اليهود صلاح الدين الأيوبي أيضاً لأنه سمح باستقدام يهود ونصارى للاستيطان في القدس، بعد كان المسلمون لا يقبلون بقدوم يهود ونصارى للسكن فيها.
وكان تبرير صلاح الدين، بطريقة لا تقل قبحاً عن الجريمة نفسها. فقد بررت فعلته بأنها كانت (تقديرا) و(استجابة لطلب طبيبه ومستشاره الخاص اليهودي موسى بن ميمون)، وبررها آخرون بأنها (حنكة!) و(حكمة!) من صلاح الدين، لتعمير المدينة وتدعيمها سكانياً واقتصادياً ضد أي هجمات صليبية مستقبلية.!!
من جرائم صلاح الدين في الشام والقدس تلك الفترة منها أنه قتل مئات الاف من المسلمين، وقتل من المسلمين (السنة) فقط؛ أكثر من 200 ألف نسمة، وفقاً للكاتب الخاص به المعروف بـ(القاضي الفاضل). ‎[6، 7]‎

وشهدت الحملة الرابعة، بين عامي 1202 و1204⁠م، تحولاً لافتاً؛ إذ انحرفت عن مقصدها في المشرق الإسلامي، وانتهت باحتلال القسطنطينية، عاصمة الدولة البيزنطية المسيحية، ونهبها وإقامة الإمبراطورية اللاتينية فيها.
وقد كشف هذا التحول عن قوة المصالح المالية والسياسية في توجيه حركة الجيوش وتغيير وجهتها. ‎[7، 10]‎
(10)
النتائج في المشرق وأوروبا
خلّفت الحروب الصليبية في بلدان الأمة الإسلامية دماراً واسعاً وخسائر بشرية ومادية، وأرهقت المدن والأرياف بمطالب القتال والحصار. ‎[5، 8]‎ ومن الطبيعي ان تخلف ذلك لأن التصدي لها كان مزعوماً بل مترافقاً مع اتفاقيات (تسامح وتمكين للغزاة).
بالنسبة للطرف الآخر؛ في أوروبا، اتسعت التجارة مع بلدان الأمة الإسلامية (الشرق)، وحصل الغزاة على كثير من الأموال والثروات والموارد.
كما حقق المضلون انتصاراً ناعماً حيث شهد عصر الحملات الصليبية نشاطاً في ترجمة الأعمال والمدونات الغربية اليونانية والرمانية المرتبطة بالوثنية والأساطير والتضليل، عبر قنوات الاتصال والترجمة المتعددة، ومنها مراكز الترجمة في طليطلة. ‎[9، 10، 16]‎
(11)
الأبعاد الفكرية للحروب الصليبية
تركت الحروب الصليبية أثراً عميقاً سلبياً في الوعي الجمعي؛ فقد أسهمت في ترسيخ المفاهيم الاستعمارية، وأصبح مصطلح (الشرق) و(الغرب) عملاً مرتبطاً بتغذية صورة نمطية مضللة، ترسخ مفهوم (الغرب القوي المتقدم) و(الشرق الفقير المتخلف).
مع أن الثروات والمقومات كانت وما زالت في بلدان الأمة الإسلامية، لكن كان لا بد من استخدام الخداع-كما يحدث اليوم- من أجل النهب وتثبيت التبعية قدمت تلك المفاهيم المخادعة.
(12)
الخلفية المالية للحملات الصليبية
يمكن للباحث أن يجد علاقة مباشرة بين الحروب وبين اليهود المرابين في معظم تاريخ البشرية، وهم اليوم يفعلونها على نطاقات واسعة هروباً من تناقضات التعامل بالربا وما يتركه من أثر ومشاكل اقتصادية.
ويمكن النظر إليها في سياق التوسع الاستعماري الأوروبي؛ إذ أعادت بعض الكتابات الأوروبية في القرن التاسع عشر توظيف الذاكرة الصليبية في خطابات التفوق والمصالح الاستعمارية.
وبهذا امتد أثرها من ميادين الحرب إلى الذاكرة السياسية والثقافية. ‎[11]‎
ولا تقتصر آثارها على البلدان المستهدفة فحسب، فقد فرض تلك الحملات مزيداً من الضرائب الخاصة والتبرعات والقروض وبيع الممتلكات أو رهنها. وتحملت فئات من الطبقة المتوسطة والنبلاء والفئة المنتجة من أهل الريف أعباء هذه التعبئة، بحسب نظم الجباية والإعفاءات. ‎[12، 13]‎
وشملت الجباية الضريبية الطرف الآخر في الصراع أيضاً، فقد تم فرض ضريبة على البلدان الإسلامية تحت مسمى «عُشر صلاح الدين» الذي فُرض سنة 1188⁠م للمساهمة في تمويل الحملة الثالثة، وشمل عُشر الريوع والأموال المنقولة.
وبرز دور التجار وأصحاب الأموال في المدن الإيطالية، ولا سيما البندقية وجنوة وبيزا، في توفير السفن والإمداد والمساندة البحرية. واقترنت هذه المساندة بامتيازات تجارية وإعفاءات من الرسوم، فتداخل تمويل الحرب مع توسيع المصالح الاقتصادية.
وتوضح الحملة الرابعة قوة هذا الارتباط؛ فقد بلغ عقد النقل مع البندقية 85 ألف مارك من الفضة، وأسهم العجز عن الوفاء بالتزاماته في المسار الذي غيّر وجهة الحملة.
حيث تحولت لاحتلال القسطنطينية، عاصمة الدولة البيزنطية المسيحية، ونهبها وإقامة الإمبراطورية اللاتينية فيها. ‎[13، 14، 15]‎
(13)
الأهداف الاقتصادية وراء الحملات
من أهم أهداف الحملات الصليبية؛ حاجة المرابين والقوى الحاكمة في أوروبا إلى الهروب من التناقضات الاقتصادية التي يراكمها التعامل بالربا؛ ولهذا ركزت الحملات على الوصول إلى طرق التجارة الشرقية، وما تحمله من توابل وحرير وأحجار كريمة، والاستحواذ على أراضٍ خصبة ومواقع استراتيجية وموانئ تتيح تحصيل الرسوم والتحكم في سلاسل التوريد، وحركة السلع.
وكان نهب المدن مصدراً مباشراً للثروة قوى النهب الصليبية، وتجلى ذلك في القسطنطينية سنة 1204م، حين انتقلت كميات من الذهب والفضة والتحف إلى أيدي المنتصرين، وحُمل جانب منها إلى أوروبا.
وتكشف الوقائع بأن السيطرة العسكرية -مع ما ترافق معها من مواجهة وتصد مزعوم-كانت تفتح المجال للاستيلاء على الموارد وإعادة توجيه عوائدها. ‎[10، 14، 16]‎
المدن التجارية الإيطالية
كانت البندقية وجنوة وبيزا شريكة رئيسية في النشاط الصليبي، بما امتلكته من سفن وخبرات ملاحية وشبكات تجارية. فنقلت الجنود والأسلحة والمؤن مقابل أجور كبيرة، وحصلت على حقوق وامتيازات جمركية وتجارية في مدن المشرق.
وتجسد حضور التجار الإيطاليين في أحياء ومراكز خاصة، كما في أنطاكية وعكا، وفي امتيازات وحقوق تجارية بطرابلس، شملت حرية التجارة وامتلاك العقارات لخدمتها.

وهكذا أصبحت الاتفاقيات والتفاهمات العسكرية التي قدمها صلاح الدين وأمثاله مدخلاً إلى حضور وتمكين اقتصادي وشامل للغزاة. ‎[14، 15، 18، 19]‎
(14)
النتائج المالية لأوروبا
تمكن الغزاة الصليبيون ومن خلفهم قوى التمويل الربوية، من نقل الكثير من (الغنائم) إلى أوروبا، من المنهوبات الكثير من الذهب والفضة وغيرهما، بينما وسعت التجارة تدفق البضائع الشرقية. واتسع الطلب على السكر والتوابل والمنسوجات، فتولدت فرص جديدة للتجار والنقل والأسواق. وأسهم نمو التجارة والأنشطة المالية في تعاظم قوة الطبقة التجارية والمصرفية، ولا سيما في إيطاليا، وزيادة قدرتها على التأثير في السياسة ورعاية الفنون والمعرفة.
ويمكن فهم هذا التراكم، الممتد على مدى قرون، بوصفه أحد العوامل التي هيأت البيئة الاقتصادية للنهضة الأوروبية اللاحقة؛ وتقدم رعاية الأسر المصرفية، مثل ميديشي في فلورنسا، مثالاً على انتقال الثروة التجارية إلى تمويل الثقافة والفنون. ‎[8، 10، 16، 17]‎
(15)
النتائج المالية على المشرق الإسلامي
في المقابل، استُنزفت موارد العالم الإسلامي في الدفاع والحصار وتمويل الجيوش والتحصينات، وتضررت البنية الاقتصادية والزراعية في مناطق كثيرة من الشام وفلسطين. وشملت الخسائر الأرواح والممتلكات والمحاصيل ووسائل الإنتاج، لأن كلفة الحروب امتدت إلى قدرة الناس على العمل والإعاشة.
ولم تكن الخسائر هي المشكلة بحد ذاتها؛ بل في طريقة التصدي والنتائج التي انتهت إليها حالات التصدي والمواجهة للحملات الصليبية التي اقترنت بالتسليم والتمكين للغزاة.
وما كان لتلك الخسائر أن تحدث لو أن قيادة تلك المناطق في تلك المرحلة، قامت بمواجهة حقيقية وردع للغزاة الصليبيين.
الكارثة أن المسلمين تعرضوا للقتل على يد صلاح الدين ومرتزقته أكثر مما تعرض الغزاة الذي أدعى صلاح الدين أنه سيقاتلهم ثم مكنهم من المنطقة وأدخلهم إلى فلسطين ومدينة القدس.
لقد كانت وما زالت مثل هذه المهام تتطلب قيادة من آل محمد، ورثة الكتاب، من أبناء علي بن أبي طالب عليهم السلام، كان الوضع سيكون مختلفاً، والتاريخ اليوم في 2026م يقدم الكثير من الشواهد المتراكمة على هذه الحقيقة.
ومع مرور الوقت، استفاد بعض التجار المسلمين من استمرار نشاطهم التجاري حتى في ظل الحروب استمرت عبور القوافل التجارية ومن الطبيعي أن يستمر لأن من أراد الحرب وخطط لها، قد وضع ذلك ضمن أهدافه. لكن كانت دائرة الاستفادة محدودة بفئة صغيرة من التجار لصالح البلدان الأخرى غير الإسلامية. ‎[6، 8]‎

وتُظهر هذه الخلفية أن دراسة الحروب الصليبية تكتمل بتتبع المال والموارد إلى جانب الوقائع العسكرية: ممن خلال معرفة مَن موّل الحملات؟، ومَن قدم القروض واشترط الفوائد الكبرى؟ ومن امتلك وسائل النقل؟، ومَن يحصل على الامتيازات، ومَن يتحمل الدمار والاستنزاف.

الأهداف الاقتصادية
 اعتمد تمويل الحملات الصليبية على الضرائب الخاصة أو «الضريبة الصليبية»، حيث فرضت الكنيسة والملوك ضرائب استثنائية على النبلاء والمزارعين والتجار لتمويل التجهيز العسكري والرحلات البحرية.
 وإلى جانب ذلك، كان لبيوت المال في جنوة والبندقية وبيزا دور في تقديم قروض ضخمة للحملات مقابل الحصول على امتيازات تجارية في الموانئ الشرقية.
 ولم يكن التمويل منفصلًا عن الأهداف الاقتصادية للحملات، فقد كان من أبرز هذه الأهداف السيطرة على طرق التجارة الشرقية.
 وكانت التجارة مع آسيا، بما فيها تجارة التوابل والحرير والأحجار الكريمة، تمر عبر الموانئ الإسلامية، بينما كانت إيطاليا وشمال أوروبا تسعيان إلى كسر الاحتكار الإسلامي–البيزنطي لهذه التجارة.
 كما كان الحصول على أراضٍ جديدة هدفًا مهمًا؛ إذ إن إقامة الممالك الصليبية في الشام منحت الإقطاعيين الأوروبيين أراضي خصبة ومواقع استراتيجية على البحر المتوسط.
 وارتبطت الحملات كذلك بنهب المدن التي احتلتها، وكان من أشهر الأمثلة على ذلك نهب القسطنطينية في الحملة الصليبية الرابعة سنة 1204م، حيث أُرسل الذهب والفضة والتحف إلى أوروبا.
 وكان للمدن التجارية الإيطالية، وفي مقدمتها البندقية وجنوة وبيزا، دور أساسي في هذه العملية؛ فقد تولت نقل الجنود والسلاح بالسفن مقابل رسوم مرتفعة، وحصلت في المقابل على امتيازات جمركية وتجارية في مدن المشرق، كما أقامت مراكز وأحياء تجارية خاصة بها في أنطاكية وعكا وطرابلس.

النتائج والآثار
 أما على أوروبا، فقد أسهمت الحملات في انتعاش التجارة الأوروبية مع الشرق، وخاصة تجارة التوابل والمنسوجات والمعادن، كما أدت إلى تدفق الذهب والفضة والبضائع الشرقية إلى الأسواق الأوروبية.
 وساعد انتقال المنتجات الشرقية، مثل السكر والتوابل والمنسوجات، على توليد طلب استهلاكي جديد داخل أوروبا، بالتزامن مع نشوء طبقة تجارية–مصرفية قوية، خاصة في إيطاليا، وهي التي مهّدت لاحقًا لعصر النهضة.
 كما أسهم الاحتكاك بالعالم الإسلامي في انتقال معارف إسلامية في الطب والفلك والرياضيات إلى أوروبا.
 وعلى المستوى الفكري والحضاري، عمّقت الحملات الصليبية فكرة «الشرق» و«الغرب» باعتبارهما عالمين متمايزين، وغذّت صورة نمطية سلبية متبادلة بين المسلمين والمسيحيين، لصالح اليهود المرابين، كما مهّدت لاحقًا لروح التوسع الاستعماري الأوروبي.
 وبذلك، تداخلت في الحملات الصليبية العوامل الدينية والسياسية والمالية والاقتصادية؛ غير أن السيطرة على الثروات والموارد، وطرق التجارة، وسلاسل التوريد، والحصول على الأراضي والامتيازات التجارية، كانت من أبرز المصالح المادية التي ارتبطت بها.
الخلاصة
 في أواخر القرن الحادي عشر، كانت أوروبا تعاني من أزمات اقتصادية، وصراعات داخلية بين الإقطاعيين. وفي هذه الظروف، عمل اليهود على التخطيط لتحريك الحملات الصليبية؛ ودفعوا بالحاكمين لرفع عنوان الصليبية واستخدموا النصارى في الواجهة.
 وما زال اليهود حتى يومنا هذا يقفون خلف المؤامرات ويمارسون أعمال التخطيط والتخريب والإفساد، معتمدين على النصارى كقادة وواجهة.
 لقد كان الدافع المعلن في الحملات الصليبية هو استعادة القدس والأماكن المقدسة من سيطرة المسلمين، وتقديم الحماية للحجاج المسيحيين.
أما الدوافع الخفية، فقد ارتبطت بالهروب من المشكلات الكبرى التي يتركها الربا والظلم الاقتصادي الموجود في هياكل النظام المالي والاقتصادي، التي تقود دائماً إلى الحاجة إلى إعادة تموضع وارتداء أقنعة أخرى ليستمر أولياء الشيطان في مواصلة افسادهم. وطالما تكررت ظروف الحاجة بدائل مالية واقتصادية وفوضى توفر فرص ومبررا للإقراض بفوائد عالية، والوصول إلى ثروات وموارد البلدان الأخرى، والسيطرة على طرق التجارة الشرقية وسلاسل التوريد.
أما الدافع (الديني) فلم يكن إلاّ غطاءً للتحشيد وساتراً لعدد كبير من المصالح المادية، وما زال هذا الاحتيال الصليبي يتجدد من حين لآخر، على يد النصارى ومن خلفه اليهود، ومنه ما سمع العالم على لسان جورج بوش، وترامب وغيرهم، بينما تظهر الحقائق بشكل كامل دائما في نتائج الحروب.
انتهى
والحمد لله رب العالمين على توفيقه
 

المراجع
‏‎[1]‎‏ ج. ر. س. فيليبس، التوسع الأوروبي في العصور الوسطى، الطبعة الثانية، فصل «أوروبا في القرن الحادي عشر»، مطبعة جامعة أكسفورد، 1998⁠م. المصدر
‏‎[2]‎‏ جامعة فوردهام، «Urban II: Speech at Council of Clermont, 1095»؛ روايات خطاب كليرمون ورسالة البابا أوربان الثاني. المصدر
‏‎[3]‎‏ هانس إيبرهارد ماير، «The Latin East, ‎1098⁠–⁠1205‎»، ضمن تاريخ كامبريدج الجديد للعصور الوسطى، 2004، ص ‎644⁠–⁠674‎. المصدر
‏‎[4]‎‏ جيمس ويلسون، «Chronology of Events»، ضمن Medieval Syria and the Onset of the Crusades، 2023، ص ‎238⁠–⁠239‎. المصدر
‏‎[5]‎‏ إيبن فونيسبرغ شميدت، «The Second Crusade»، ضمن تاريخ كامبريدج للحروب الصليبية، 2026، ص ‎333⁠–⁠358‎. المصدر
‏‎[6]‎‏ متحف المتروبوليتان، «The Crusades (‎1095⁠–⁠1291‎)»، قسم فنون العصور الوسطى والأديرة، 2001، مراجعة 2014. المصدر
كتب يوسف زيدان منها كتاب «شجون فكرية.. إعادة بناء المفاهيم» الصادر عن دار نون للنشر عام 2017
‏‎[7]‎‏ مالكولم باربر، The Trial of the Templars، مقتطف منشور لدى مطبعة جامعة كامبريدج؛ لتسلسل أحداث حطين والقدس وعكا. المصدر
‏‎[8]‎‏ خالد عبد البديع رضوان، «Islamic countryside and food supplies to the Levantine Crusader cities in the first half of the twelfth century»، Rural History، المجلد 36، العدد 1، 2025، ص ‎23⁠–⁠54‎. المصدر
‏‎[9]‎‏ تشارلز بيرنت، «Translation and Transmission of Greek and Islamic Science to Latin Christendom»، ضمن تاريخ كامبريدج للعلوم، 2013، ص ‎341⁠–⁠364‎. المصدر
‏‎[10]‎‏ جامعة فوردهام، «The Fourth Crusade, 1204: Collected Sources»؛ مصادر مجمّعة عن الحملة الرابعة ونهب القسطنطينية. المصدر
‏‎[11]‎‏ معهد جورج إيكرت، European Receptions of the Crusades in the Nineteenth Century: Franco-German Perspectives، 2011. المصدر
‏‎[12]‎‏ هنري الثاني، «The Saladin Tithe, 1188»؛ نص الضريبة منشور ضمن كتاب المصادر التاريخية بجامعة فوردهام. المصدر
‏‎[13]‎‏ جامعة فوردهام، «Evolution of Crusader Privileges, ‎1095⁠–⁠1270‎»؛ نصوص في الرهون والديون والامتيازات المرتبطة بالحملات. المصدر
‏‎[14]‎‏ كريستوفر ج. مارشال، «The Crusading Motivation of the Italian City Republics in the Latin East, c. ‎1096⁠–⁠1104‎»، Rivista di Bizantinistica، المجلد 1، 1991؛ إعادة نشر جمعية التاريخ العسكري الوسيط. المصدر
‏‎[15]‎‏ جوفري دي فيلهاردوان، «Chronicle of the Fourth Crusade and the Conquest of Constantinople»؛ نص منشور بجامعة فوردهام. المصدر
‏‎[16]‎‏ ستيفانو كاربوني وترينيتا كينيدي وإليزابيث مارويل، «Venice and the Islamic World, ‎828⁠–⁠1797‎»، متحف المتروبوليتان، 2007. المصدر
‏‎[17]‎‏ مؤسسة سميثسونيان، «The Medici: Patronage, Power, and Art in Renaissance Florence»، تقديم إيلين روفولو، 2024. المصدر
‏‎[18]‎‏ «Trading Posts and Fortifications on Genoese Trade Routes»، وصف مقدم من أوكرانيا إلى القائمة التمهيدية للتراث العالمي، منشور لدى مركز التراث العالمي باليونسكو، 2010. المصدر
‏‎[19]‎‏ ميراف ماك، The Merchant of Genoa: The Crusades, the Genoese and the Latin East, ‎1187⁠–⁠1220‎s، أطروحة دكتوراه، جامعة كامبريدج، 2003، الفصل الثاني؛ في امتيازات جنوة بطرابلس. المصدر
 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى