الاقتصادي

(كن مرنا) (دعه يمر) (دعه يدخل) (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ)

المرونة في ميزان القرآن وأمام مشروع الاستخلاف

ـــــــــــ

في عالمٍ يُعاد فيه تعريف الكلمات، تحولت الخيانة والتفريط بالأمانة والمسؤولية والأخلاق والقيم إلى مفهوم جديد تحت مسمى (المرونة)، ولم يعد التنازل سقوطًا، بل (تكيّفًا) والحقيقة قابلة للتعديل، والصواب يمكن أن يُؤجَّل، وأن ” اثنين زائد اثنين” ليست دائمًا أربعة..
***
لقد تحولت (المرونة) إلى أداة ناعمة لإعادة تشكيل وعي المجتمعات، خصوصًا في البلدان المستهدفة بالنهب (الغنية/النامية).
إذ يدفع الإنسان نحو (المرونة) للقبول بالوضع الضعيف والتعايش مع الخلل والتبعية كقدر لا يمكن أن يرد. وحين نقف على هذه المشكلة بصدق وتجرد و(بتقوى واستشعار رقابة الله المحيط بكل شيء علما) ندرك أن (المرونة) مجرد وسيلة لتكريس التبعية ومراعاة المصالح وتثبيت الواقع الهشّ.
***
وتمكنوا من إعادة تعريف المسؤولية في بلداننا فهي اليوم لم تعد التزامًا يحاسب عليه، بل عبئًا يبرر الإخفاق والفشل والفساد وتقديم مصالح رأس المال الأجنبي الربوي، وعمالقة التعليب والتعبئة والاستيراد.
***
نظراً لذلك أصبحت المعايير والأسس والقواعد والقوانين واللوائح التنظيمية كلها آراءً قابلة للتفاوض.
***
فمن بوابة التضليل والتزييف صدروا لنا ثقافة المرونة في المناهج والأفلام والمسلسلات وفي الكثير من الأدبيات كصفة من صفات النجاح والتأقلم مع الواقع الذي يريده لنا كأداة هدم وتربيط بالتعبية، هذا ما يتم وما يحدث في أبرز أشكال أنشطة القوة الناعمة القائمة على التضليل والتزييف وتغيير المفاهيم.
***
لقد تعمدوا تغذية هذا المفهوم التضليلي المخادع في أوساط البلدان المستهدفة لضمان استمرارية قبضتهم عليها.
***
ومن خلال ترسيخ مفهوم (المرونة) تمكنوا من حرف مسار الثورات وأجهضوا جهود التصحيح، وفرضوا سيطرتهم على محاولات التحرر من الهيمنة والتعبية لهم ولاقتصادهم وهياكلهم المالية الربوية.
***
أرادوا أن نكون مرنين متساهلين أمام مصالحهم بينما في بلدانهم يفرضون قوانين صارمة ومعايير أخرى تضمن بناء شركاتهم ومصالح بنوكهم هذا ما تقوم به قوى النهب الربوية.
***
من خلال (المرونة) تمكنت قوى النهب والتضليل من إعادة تعريف الضعف كحكمة وضرورة من ضرورات التعايش. ومن خلالها تم الدفع نحو الفوضى وتم تزييف الوعي بعيداً عن البناء والاستقلال والقيام بالمسؤولية والوصول إلى القوة والمنعة والعزة التي أرادها الله.
***
في المقابل، نفس القوى التي تُروّج لثقة (المرونة)، تدير مجتمعاتها الداخلية، وشركاتها وأنظمتها بمنطق مختلف تمامًا: قوانين صارمة، أنظمة لا تُساوم.
***
(خفّف عن نفسك)، (تفهّم الظروف)، (لا تكن قاسيًا)، (كن مرناً)؛ حتى تعتاد ما كنت ترفضه، وتقبل ما كنت تقاومه. وتتعايش مع كل ما لا يليق بك وبأمتك ومجتمع.
ــــــــــــــــــــــــــ
في ظل هذا البيئة يصبح الظلم ضرورة وحالة (اسثنائية)،
والضعف (تفهمًا)، والانحدار (تطورًا) و(حكمة).

وهكذا يتم التلاعب في المفاهيم فتصبح فضيلة الثبات والتمسك بالقيم والمنهجية والمشروع تهمة وسبة.
ومع كل تنازل صغير، تُقنع نفسك أنك تنضج وتمارس الحكمة وتعيش النجاح؛ بينما أنت في الحقيقة تتآكل.

ـــــــــــــــــــــ
النتيجة
ـــــــــــــــــــــ
مجتمعات تفرض الانضباط والإنتاج والمحاسبة،
وأخرى تم تضليلها لتتقبّل التراخي والتبعية والمعيشة السيئة والاقتصاد الهش.
مجتمع يبني ويراكم القوة، ومجتمعات تبرّر وتستهلك وتعيش الضعف والمعاناة.
ـــــــــــ
مجتمع ينقل القيمة ويحتكرها القوة والإمكانات ويفرض شروطه،
ومجتمعات تُستنزف مواردها، وتُسحق كرامتها، وترغم شعوبها على حياة سيئة ومعيشة ضنكا، أسيرة لعبودية الاستيراد والاستهلاك.
ــــــــــ
هذا واقع أمتنا الإسلامية للأسف نتيجة لتعطيل فضيلة الأمر بالمعروف والقبول بهيمنة مجموعة من المخذولين (الغنوصيين) المتفننين في تمجيد الإخفاق وتبرير التعثر.
ــــــــــــــــ
القبول بهذا الحالة سوف نحاسب عليه جميعاً.
ــــــــــــــ
ورعاة (المرونة) سوف يتمنون بأنهم كانوا بعرات في إست شاة.
ــــــــــــــــ
والله ولي التوفيق والهداية والرشاد.
ــــــــ

كتب//
محمد الانسي
خبير اقتصادي
24/4/2026

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى