الاقتصادي

بعد نزول الدولار من عرش الهيمنة ماذا بعد؟

(تحليل وتوصيات للتاريخ الاقتصادي القادم)


ــــــــــــ
كتب
محمد محمد أحمد الانسي

خبير اقتصادي
ـــــــــــــــــــــــــ
في كلمته بـدافوس 20 يناير 2026م قال الخبير الاقتصادي (مارك جوزيف كارني) -رئيس وزراء كندا -: (لا يمكنكم العيش في وهم المنفعة المتبادلة من خلال التكامل عندما يصبح التكامل نفسه مصدراً لتبعيتكم… إذا لم نكن حاضرين على طاولة المفاوضات، فسنكون على قائمة الطعام). [انتهى].
***
وفي دراسة مهمة جداً بعنوان (الاستيلاء الإمبريالي في الاقتصاد العالمي استنزاف الجنوب العالمي من خلال التبادل غير المتكافئ، 1990-2015) للدكتور جيسون هيكل (Jason Hickel) وآخرون معه [1]. بلغت قيمة الثروات المنهوبة من الجنوب العالمي لصالح الشمال من 1990 إلى 2015 أكثر من 242 تريليون دولار. وهذه المبلغ باحتساب سعر الدولار في 2010 وفقاً للدراسة، وبمعدل سنوي يزيد عن 10.8 عشرة ترليون وثمانمائة مليار دولار، قيمة 12 مليار طن مواد خام تحصل عليها أمريكا وبلدان الشمال العالمي، من البلدان التي يطلقون عليها تسمية (البلدان النامية) سنوياً. تعليقاً على هذا الرقم السنوي قال الدكتور جيسون هيكل (Jason Hickel) بأنه يكفي للقضاء على كل أشكال الفقر في كل بلدان الجنوب العالمي سبعين مرة. [2]

ولو تم احتساب استهلاك الموارد لكل فرد سنويًا على حسب السكان رغم الفارق بين المليار (سكان) بلدان الشمال العالمي وبين بلدان الجنوب العالمي النامي (المنهوب) الأكثر من سبعة مليار نسمة وفقاً لدراسة الدكتور جيسون هيكل نفسها ستكون النتائج حصول كل فرد من سكان بلدان الشمال (الناهب) على 28 طن، مقابل 2 طن للفرد في بلدان الجنوب العالمي (المنهوب).

المقابل لهذا النهب (المساعدات الدولية)

كل هذه الفوارق الضخمة في التبادل غير المتكافئ نهائيا هي مقابل مساعدات سنوية من 150 مليار دولار إلى 170 مليار دولار، معظمها تعود للدول الشمال كسداد لقيمة ما تقدمه المنظمات الدولية من اللقاحات وحبوب منع الحمل وأكياس الواقي الذكري، أو قيمة خيام للنازحين من الحروب التي تشنها وتستثمر فيها نفس الشركات العالمية المانحة والدول التي تقدم تلك المساعدات. [3]

***
كل تلك الأرقام المذكورة في دراسة التفاوت الكبير نتيجة للتبادل غير المتكافئ ما كان لها أن تتم لولا النظام المالي العالمي وشبكته التي فرضها المرابون على الدول في اتفاقية بريتون وودز عام 1944م بعد إعداده وجعل تصميم هياكله تقوم على النهب وتفريخ الفقر في البلدان المستهدفة.
***
والأحداث العالمية الساخنة والمستجدات المتعلقة بها كلها ما هي إلا من أشكال التحولات الاقتصادية التي جاءت كنتيجة حتمية للمخرجات والآثار التي جلبها نظام النقد الدولي الربوي الذي فرضه المصرفيون المرابون على العالم خلال الثمانية العقود الماضية من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى يومنا هذا 2026م.
***

في عام 1944، تمكن المرابون (بنو إسرائيل) من اقناع 44 دولة بالاجتماع والحضور للتوقيع على اتفاقية نقدية عالمية وتم استقبال أعضاء الدول المشاركة في بلدة أمريكية بولاية (نيو هامبشاير)، في منتجع (بريتون وودز) ووقعوا على اتفاقية نظام نقدي عالمي بقيادة الدولار الأمريكي بدلاً عن التبادل السلعي وبدلاً عن الذهب والفضة التي كانت مستخدمة في التبادل قبل تلك الاتفاقية المشؤومة.

المصرفيون المرابون -بنو إسرائيل- خبراء في الخداع -بشهادة القرآن الكريم- لهذا تمكنوا آنذاك من إقناع المشاركين في المؤتمر بأن الدولار أصبح قادراً على القيام بمهمة نقدية بديلاً عن الذهب. وبموجبها أصبح الدولار الأمريكي هو وسيلة الدفع الدولية الرئيسية في النظام النقدي الدولي، ولم تقتصر المشكلة على منح الدولار انتحال صفة الذهب، فقد امتدت إلى العملات الورقية الأخرى إذ تعرضت للارتباط بسعر صرف ثابت مقابل الدولار!!!

لقد استطاع المرابون اقناع مندوبي الدول الـ 44 المشاركين في المؤتمر من خلال الاتفاق على أن كل أونصة من الذهب أصبحت تساوي 35 دولاراً أمريكياً. كان ذلك يعني أنه بإمكان أي شخص يحمل دولارات أن يستبدلها بالذهب وفقاً لهذا السعر 1/35.
***

في نفس الاتفاقية تم التوقيع على منح آلية المراقبة لـ صندوق النقد الدولي المُزمع إنشاؤه في تلك الغرف في منتجع (بريتون وودز)
ومن داخل غرف المنتجع نفسها تم التوقيع على إنشاء كيان أممي يسمى (الأمم المتحدة) وإنشاء مؤسسات ومنظمات ولجان كثيرة تابعة للأمم المتحدة. تم التوقيع عليها في نفس الاتفاقية مثل (البنك الدولي) و(صندوق النقد) و(الفاو) و(منظمة الصحة) واتفاقية التجارة العالمية (الجات).

ومن تلك المرحلة كانت الأمم المتحدة هي القناع الخطير الذي استخدمه المصرفيون المرابون في الهيمنة والسيطرة على العالم بأشكال عديدة أبرزها من بوابة البنوك والمعروض النقدي والأدوات الاقتصادية الأممية.

والكارثة الكبرى الأكثر خطورة هي أن المرابين (بني إسرائيل) تمكنوا من اقناع المشاركين بأن البنوك المركزية في العالم ستقوم بشراء سندات الخزانة الأمريكية والاحتفاظ بها بشكل رئيسي كاحتياطيات سيولة لتحقيق استقرار عملاتها.

كانت خدعة شراء السندات واحدة من الامتيازات الباهظة جداً التي حصل عليها المرابون الأشرار؛ ومن خلال هذا الامتياز وحده تمكنوا من تجاوز مشكلة الاختلال في ميزان المدفوعات؛ فقد أمكنهم استخدام الدولارات الورقية في المدفوعات، وهي عملتهم الخاصة التي يمارسون طباعتها يومياً دون توقف ومن غير أي ربط بشيء له قيمة اقتصادية.

لقد شكل هذا الامتياز جريمة اقتصادية كبرى نظراً لحجم انعكاسها السلبي في معيشة شعوب العالم، إذ تسببت بنقل غير متكافئ للقيمة، ومكنت بنوك وشركات المرابين من الوصول إلى الثروات والموارد على حساب الشعوب في فاتورة الاستيراد. ومن خلالها تمكن المرابون من تمويل جزء من عجز الميزانية الأمريكية لسنوات طويلة.

ومن بوابة شراء سندات الدولار والأسهم والاكتتاب في الشركات العالمية، تمكن المرابون (بنو إسرائيل) من الوصول إلى أموال المستثمرين في دول العالم بكل أنواعها؛ أموال البنوك والشركات وأموال الصناديق الاستثمارية، وأموال شركات وصناديق التقاعد والتأمين وغيرها.
***
وما كان للمرابين أن يحققوا ذلك لولا تعاون وتواطؤ اشترك فيه قادة الأنظمة والحكومات، وعمالقة التعليب والتعبئة الاستيراد، الوكلاء المحليين الممولين من مؤسسة التمويل الدولية وأمثالها، وهم -مع قادة الأنظمة نوعية تافهة – صنعها المرابون واستضافوها في فنادق ومنتجعات وجزر ترفيه (أبستينية).
وما زالوا جميعاً هم الأسباب و(الحبال) التي سخرت أموال وثروات الشعوب كروافع مالية للمرابين وللدولار، وهم من قام بتمويل وتغذية أنشطة الحروب والهيمنة والإفساد والتخريب في كل أرجاء المعمورة إلى اليوم.
***
لقد استمرت خدعة بريتون وودز 1944م أكثر من عشرين عاماً. قبل أن تتفاقم مشكلتها في السبعينيات من القرن العشرين الماضي بعد معرفة الكثير من الدول بأنهم تعرضوا للخداع في مسألة ربط الدولار بالذهب، إذ لا أساس لها من الصحة في الواقع الاقتصادي والمالي.
بعد هذا الانكشاف تحركت مطالبات دولية بدأتها فرنسا؛ تم تحريك مجموعة من السفن الفرنسية نحو أمريكا لاسترداد وديعة الذهب الخاصة بهم، وللهروب من هذا الفضيحة قام المرابون بإخراج الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون للإعلان في بيان متلفز 15 أغسطس عام 1971، قائلاً: بأنه تم فك ارتباط الدولار عن الذهب لظروف خاصة وبشكل مؤقت!! حماية للاقتصاد الأمريكي!
***

شكلت سياسات فرض شراء سندات الخزانة على البنوك المركزية في دول العالم الأعضاء في الأمم المتحدة تمكيناً للنظام الربوي العالمي ولمن خلفه من الوصول إلى القيمة والمدخرات وفائض الإنتاج في كل الدول التي قبلت بالتعامل بالدولار. وبسبب هذه الآلية الربوية تمكن (بنو إسرائيل) ومن معهم من الصهاينة من نشر القوة العسكرية على مستوى العالم وبناء وتمويل أكثر من 750 قاعدة عسكرية حول العالم.

لقد تم ذلك كله على حساب شعوب العالم في فاتورة الاستيراد لأنها قبلت بالدولار وقبلت بالتحول إلى الاستيراد الشامل لصالح بنوك وشركات المرابين العالميين “بني إسرائيل”.

***

اليوم وبعد خمسة وخمسين عامًا، من إعلان ريتشارد نيكسون فك ارتباط الدولار عن الذهب ونحن في عام 2026، نرى بأن العالم يواجه مشكلة في تكييف النظام النقدي العالمي في ظل تركة كارثية وواقع اقتصادي ومالي مثقل بالتضخم الربوي الكبير جداً الضار السام الزعاف. فمشكلة المعروض النقدي الورقي والائتماني هي المشكلة الأكبر بعشرات المرات من الديون الأمريكية البالغة 38 ترليون دولار.
***
الفارق هذه المرة هو انعدام قيادة دولية لتقود تكتلاً عالمياً، لأن الجهة التي كانت قد فرضت نفسها شرطياً على العالم (أمريكا) وفقاً لاختيار أقره مؤسسو النظام المالي العالمي هي اليوم تقوم بدور مختلف، وبشكل يومي يقوم القائم بالوظيفة خادم آل روتشيلد (ترامب) بكيل الاتهامات للمقرضين، ويلقي بتهديداته ووعيده يميناً ويساراً، إنه يقوم بالدور المطلوب المناسب المنسجم مع خطوات التحول والانتقال المموه نحو الشرق.
***

القادم الأكثر سوءاً إذا قبل العالم مرة أخرى بهيمنة المرابين

لماذا لا يمكن للعالم اللجوء إلى نظام نقدي عالمي مرة أخرى؟ يمكن اختصار الإجابة في سبيين
الأول: لأن حجم التراكمات التي خلفها النظام العالمي الربوي في الاقتصاد العام الدولي كبيرة جداً.
الثاني: لا تتوفر كميات كبيرة من الذهب لتغطية تداول التجارة العالمية.
كما أن المصرفيين المرابين عملوا من الحرب العالمية الأولى على سياسات السيطرة على الذهب والفضة ضمن مؤامرة فرض النقد الورقي الفاقد للقيمة وما زال تحت سيطرتهم خوفاً منه أكثر من حبهم له.

والذهب الذي يتم تداوله في الأسواق العالمية في الغالب هو ذهب بنكي لا يراه المتداولون أثناء صفقات البيع ولا يقبضون جراماً واحداً منه.
***

المرابون واستراتيجية الانتقال المتخفي من بلد لآخر لجر عربة الهيمنة

بالنسبة للمصرفيين المرابين فالمعتمد على طاولتهم هو الانتقال والتخفي من بلد إلى آخر لاستخدامه في جر عربة الهيمنة بعد تراكم الإشكالات وفقدان أوراق الخداع السابقة.

وفقاً لتاريخ البنوك والأنظمة المالية والاقتصاد العالمي فهذا ما فعله ممولو الحروب المرابون وما فعلوه بعد انكشاف سوءاتهم في كل مرحلة.

لقد انتقلوا من اسبانيا إلى هولندا ثم إلى إنجلترا ثم أمريكا. والمعطيات كثيرة التي تؤكد أنهم سيعملون على استكمال إجراءات انتقالهم لاستخدام الصين وروسيا في جر عربة الهيمنة.
سيعملون على بقاء الدولار في سلة العملات مع اعتراف اضطراري بجزء من فقدانه للقيمة. هذا يعني أن الدولار سيكون كعملة أخرى ثانوية كما عملوا سابقاً مع الجنية الإسترليني بعد نزوله من شجرة الهيمنة ليحل نجله الدولار بديلاً عنه بعد 1944م.
***

ما هي الآلية القادمة لتسوية المدفوعات بعد نزول الدولار من عرش الهيمنة؟

لتسوية المدفوعات في التبادلات التجارية الدولية فالخيارات التي سيفرضها المرابون (بنو إسرائيل) على العالم ستكون كما يلي:
• نسبة من التبادلات عبر فرض عملة رقمية (غير مشفرة) تابعة للبنوك المركزية المتوقع أن تكون بقيادة ما يسمى بمجموعة البريكس التي صنعوها المرابون نفسهم لمثل هذه الظروف.
• وأخرى من خلال العملات شقائق الدولار (غير الشرعية) كـ(اليورو) أو (اليوان) ثم الدولار كعملة ثانية أو ثالثة.

والمتوقع أن يتم تقديم العملة الرقمية المركزية (غير المشفرة) على أنها مرتبطة بـ 40 % بالذهب والبقية بالعملات الوطنية، وستكون هذه خدعة مؤقتة جداً.
***

البدائل الممكنة التي يمكن أن تكون أكثر استقراراً للعالم
(توصيات من موقع الاختصاص)

• بعد معرفة العالم بحجم الفوارق الكبرى نتيجة للتبادل التجاري غير المتكافئ، وبعد معاناة الشعوب في معيشتها لعقود ثمانية من المفترض أن يكون لها دور في فرض الاستقلال الاقتصادي والتحرر النقدي الذي تحتاج إليه.

• من المهم جداً الاستفادة من دروس الماضي، فلا بد من حماية شعوب وبلدان العالم من خداع المرابين مرة أخرى؛ بالإمكان أن يتحقق هذا بعدم القبول بنظام مالي عالمي تهمين عليه أي جهة أخرى؛ لأن المرابين الممولين في الغرب عملوا على الانتقال نحو الشرق طمعاً في استمرار سيطرتهم الاقتصادية على العالم. [4]

• بالنسبة للبدائل فأبرزها يتلخص في التوافق على نظام تبادل تجاري تكاملي يقوم على تبادل سلعي في الجزء الأكبر منه، وفي الجزء المتبقي على عملات محلية مرتبطة بائتمان معدني من الذهب والفضة، مع ضرورة أن يكون هذا التوافق سليماً وخالياً ممن هيمنة أي جهة دولية أو تجارية، صوناً لحقوق الإنسان وكرامة البشرية ومنعاً لتكرار معاناتها. إذ لا يمكن أن يتحقق استقرار عالمي؛ إلّا في ظل تبادل سلعي تكاملي، ومن خلال سياسات انتاج تحكمها مستويات “الطلب الإنساني الفعلي” بعيداً عن فرض الكماليات ومن غير آليات تحفيز الاستهلاك والإنتاج السلبي الهادف للوصول إلى أكبر قدر من الأرباح.

والله ولي التوفيق.

ـــــــــــــــــــــ

هوامش ومراجع:
رقم (1)
• الدراسة الأصل ل جيسون هيكل وفريقه بعنوان: الاستيلاء الإمبريالي في الاقتصاد العالمي: استنزاف موارد الجنوب العالمي من خلال التبادل غير المتكافئ، 1990-2015.
• Imperialist appropriation in the world economy: Drain from the global South through unequal exchange, 1990–2015
• Jason Hickel a b c, Christian Dorninger d e, Hanspeter Wieland f, Intan Suwandi g
Show more
• https://doi.org/10.1016/j.gloenvcha.2022.102467Get rights and content
رابط آخر:
• https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S095937802200005X#s0080

رقم (2) المرجع السابق نفسه (دراسة الدكتور جيسون هيكل).
رقم (3) ورقة عمل بعنوان مفهوم القيمة الاقتصادية؛ محمد محمد أحمد الانسي متوفر في الانترنت وفي مكتبة نور المجانية (رابط) وفي الموقع الاقتصادي (رابط)
رقم (4) انظر تقرير بعنوان: عربة الهيمنة الأدلة على انتقال اليهود المرابين مالياً واقتصادياً إلى الصين. رابط، + رابط آخر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى