الاقتصادي

(كن مرنا) (دعه يمر) (دعه يدخل) (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ)

المرونة في ميزان القرآن وأمام مشروع الاستخلاف

ـــــــــــــــــــــــــــ
في عالم اليوم هناك إعادة تعريف للكثير من الأشياء… لقد تحولت الخيانة والتفريط بالأمانة والمسؤولية والأخلاق والقيم إلى مفهوم جديد تحت مسمى (المرونة). فالتنازل لم يعد سقوطًا، بل (تكيّفًا)، والحقيقة في الغالب أصبحت قابلة للتعديل، والصواب يمكن أن يُؤجَّل، وليس من الضروري الاهتمام به. أكثر من ذلك: 1+1 ليست دائمًا (2).
لقد تحولت (المرونة) إلى أداة ناعمة لإعادة تشكيل وعي المجتمعات، في البلدان المستهدفة بالنهب (الغنية/النامية)، إذ يُدفع بالإنسان نحو (المرونة) للقبول بالوضع الضعيف والتعايش مع الخلل والتبعية كقدر لا يمكن أن يُرد.
حين نقف على هذه المشكلة بصدق وتجرد و(بتقوى واستشعار رقابة الله المحيط بكل شيء علماً)، ندرك أن (المرونة) مجرد وسيلة لتكريس التبعية، ومراعاة لمصالح محدودة، وتثبيتًا للواقع الهشّ.
تمكنوا من إعادة تعريف المسؤولية في بلداننا، فهي اليوم لم تعد التزامًا يُحاسَب عليه، بل عبئًا يبرر الإخفاق والفشل والفساد وتقديم مصالح رأس المال الأجنبي الربوي، عبر عمالقة التعليب والتعبئة والاستيراد. ونظرًا لذلك أصبحت المعايير والأسس والقواعد والقوانين واللوائح التنظيمية كلها آراءً قابلة للتفاوض.
من بوابة التضليل والتزييف صَدَّروا لنا ثقافة المرونة في المناهج والأفلام والمسلسلات، وفي الكثير من الأدبيات كصفة من صفات النجاح والتأقلم مع الواقع الذي رسموه لنا الأعداء كأداة هدم وتربيط بالتبعية. هذا ما يتم وما يحدث في أبرز أشكال أنشطة القوة الناعمة القائمة على التضليل والتزييف وتغيير المفاهيم.
لقد تعمدوا تغذية هذا المفهوم التضليلي المخادع في أوساط البلدان المستهدفة لضمان استمرارية قبضتهم عليها. ومن خلال ترسيخ مفهوم (المرونة) تمكنوا من حرف مسار الثورات، وأجهضوا جهود التصحيح، وفرضوا سيطرتهم على محاولات التحرر من الهيمنة والتبعية لهم ولاقتصادهم وهياكلهم المالية.
أرادوا أن نكون مرنييييييين… نعم، مدهونين، متساهلين أمام مصالحهم، بينما في بلدانهم يفرضون قوانين صارمة ومعايير أخرى تضمن بناء شركاتهم ومصالح بنوكهم؛ هذا ما تقوم به قوى النهب الربوية.
من خلال (المرونة) تمكنت قوى النهب والتضليل من إعادة تعريف الضعف كحكمة وضرورة من ضرورات التعايش، ومن خلالها تم الدفع نحو الفوضى، وتم تزييف الوعي بعيدًا عن البناء والاستقلال والقيام بالمسؤولية والوصول إلى القوة والمنعة والعزة التي أرادها الله.
في المقابل، نفس القوى التي تُروّج لثقافة (المرونة) تدير مجتمعاتها الداخلية وشركاتها وأنظمتها بمنطق مختلف تمامًا: قوانين صارمة وأنظمة خالية من المرطبات والدهون. فهل تمضي حياتنا وتهدر فرص التمكين ونحن نتجرع التضليل والخداع؟
(كن مرنًا)؛ حتى تعتاد ما كنت ترفضه، (كن مرنًا)؛ حتى تتقبل ما كنت تقاومه، (كن مرنًا)؛ من أجل أن تتعايش مع كل ما لا يليق بك وبأمتك ومجتمعك.
في ظل هذه البيئة يصبح الظلم ضرورة وحالة (استثنائية)، والضعف (تفهمًا)، والانحدار (تطورًا) و(حكمة). هكذا يتم التلاعب في المفاهيم، فتصبح فضيلة الثبات والتمسك بالقيم والمنهجية والمشروع تهمة وسُبة.
النتيجة: مجتمعات تفرض الانضباط والإنتاج والمحاسبة، وأخرى تنطلي عليها الأكاذيب والتضليل لتتقبّل التراخي والتبعية والمعيشة السيئة والاقتصاد الهش. مجتمع يبني ويراكم الثروة، ومجتمع يبرر ويستهلك ويعيش الضعف والمعاناة. مجتمع ينقل القيمة ويحتكر القوة والإمكانات ويفرض شروطه، ومجتمعات تتعرض لنهب مواردها وسحق كرامتها؛ لتعيش شعوبها حياة سيئة ومعيشة ضنكا، أسيرة لعبودية الاستيراد والاستهلاك.
هذا واقع أمتنا الإسلامية للأسف نتيجة لرفض توجيهات الله التي تقضي بممارسة الكفر العملي بالطاغوت، ونتيجة لعدم اتخاذ الشيطان والكافرين أعداءً، وهذا ما يحدث على يد الوكلاء المحليين، وعلى يد الأنظمة المحسوبة على الإسلام التي يقودها مجموعة من المخذولين (الغنوصيين) المتفننين في تمجيد الإخفاق وتبرير التعثر.
لقد تجرعت الأمة المعيشة الضنكا التي لم يخلقنا الله لنعيشها، بل حذرنا منها وأكد لنا القرآن الكريم بأنها نتيجة طبيعية لغياب الإيمان والاستجابة الكاملة لله:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ۝ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾
فالقبول بالمعيشة الضنكا في الدنيا مرتبط بالعمى في الآخرة.
إن هذا يعني بأننا سنُحاسَب على القبول بهذا الوضع جميعًا: الأيادي التي تفسد، والأيادي التي تكفّ عن إيقاف الفاسدين.
ورعاة (المرونة) سوف يتمنون بأنهم كانوا بعرات في إست شاة.
والله ولي التوفيق والهداية والرشاد.

كتب
محمد الانسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى