الباب الأول
خلفية تاريخية عن الاقتصاد ونشأة المال والأصول
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾.
سورة الملك: (الآية 15).
المراحل الأولى لنشأة المال والأصول
حين قال الله رب العالمين للملائكة: ﴿إنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ كان قبلها قد خلق للإنسان في الأرض ما لا يُعد ولا يُحصى من النعم والأرزاق والطيبات والإمكانات والموارد التي يحتاجها في حياته.
وحين خلقه ﴿عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، فأصبح على علم ومعرفة بأسماء الأشياء والمواد والمستلزمات الموجودة في الأرض، وهداه رب العالمين سبحانه وتعالى إلى السبل والوسائل التي يحتاجها في مهمة الاستخلاف.
ومنذ المراحل الزمنية الأولى لانتشار بني آدم في الأرض كانت هناك الزراعة والتبادل السلعي والفضة والذهب وغيرها من النعم الكثيرة التي سخرها الله للإنسان.
من خلال الآية القرآنية التي جاءت في سياق قصة نبي الله نوح وهي: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ} يمكن الاستدلال على أن توفر احتياجات المعيشة الإنسانية منذ المراحل الأولى من تاريخ البشرية.
إن وجود التنور مرتبط بالحبوب والطحين والخبز وهذا الشاهد الأهم على وجود زراعة منذ الزمن الأول لانتشار البشرية الذي كان في جزء محدود من الأرض.
وفي هذا الإطار ثمة كلام عظيم ومهم جداً لقائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي-رضوان الله عليه- في المحاضرة الرمضانية الثانية والعشرون السبت 27-رمضان-1445هـ الموافق 6 إبريل2024م حيث قال في سياق كلامه عن نبي الله نوح -عليه السلام-:
((كانت العلامة التي قد جعلها الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” لرسوله ونبيه نوحٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- هي: أن يفور الماء في التنور، والتنور معروف، الذي يُخبَز فيه الخبز لينضج، {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا}، جاء أمر الله العظيم، ربِّ السماوات والأرض، {وَفَارَ التَّنُّورُ}. ويتضح أنَّ مثل هذه الأمور في معيشة الناس موجودة منذ ذلك الزمن الغابر والقديم، يعني: من مراحل متقدِّمة في تاريخ البشرية، ليست الحالة كما يصورها الغرب، فيما يحاولون أن يصوروه عن الماضي: -أن الإنسان بقي في حياة بدائية جداً كالحيوانات، يعتمد فقط على الصيد ولا يزرع، وأنه لم يتجه للزراعة إلَّا منذ عشرة آلاف عام فقط، وقبل ذلك لم يكن يزرع، لم يكن يعتمد على النباتات، لم يكن يتناولها- ، تلك تخمينات وظنون لا أساس لها، وهم يحاولون أن يقدِّموا أنفسهم أنهم أصل الحضارة في واقع البشر، وأنه لا حضارة في واقع البشر إلا منذ العهد الإغريقي واليوناني، ثم الروماني، ثم الأوروبي والأمريكي، هكذا يريدون أن يصوروا للبشرية.
مع أنهم يواجهون إحراجات حتى في الآثار المكتشفة في أمريكا اللاتينية، والبلدان النائية، التي هي آثار قديمة جداً، تُبيِّن مدى ما كان عليه البشر في مراحل متقدِّمة من حضارة، من ظروف في حياتهم ظروف متقدِّمة، يعني: ليست بدائية بالشكل الذي يصورونه؛ ففي عهد نبي الله نوح “عَلَيْهِ السَّلَامُ” هناك التنور، هناك الاستخدام للنار في إنضاج الطعام، هناك طبخ، هناك صنع للخبز، وهكذا، هناك زراعة بالتأكيد، اهتمام بالزراعة، وغير ذلك، فالحياة لم تكن بدائية بالشكل الذي يصوره الغرب؛ لأن لديه أهدافاً سياسية في طريقة تقديمه للتاريخ، لا يُقدِّم التاريخ بشكل موضوعي، بل وفق أهداف سياسية معينة)). انتهى.
إضاءة مهمة
من حديث مهم عن (المشكلة الاقتصادية) لقائد الثورة السيد/عبدالملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- في المحاضرة الثالثة بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف 1439هـ حيث قال:
((الذي يقدمه الغرب في النظرية الاقتصادية أن الأصل هو الندرة في الأشياء والمحدودية والقلة في الاحتياجات غير صحيح أبدا، غير صحيح أبدا، بل الصحيح هو قول الله سبحانه وتعالى:(وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً)، الصحيح هو الوفرة، ولكن وفرة على نحو لا يسبب لهذا الإنسان أن يطغى إلى ما لا نهاية له، يعني وفرة بالحكمة، وفرة مقدرة بالحكمة، لأنها لو كانت وفرة زائدة جدا على ما يطغى الإنسان فيما قد أصبح متاحا ومتوفرا له كيف سيكون طغيانه لو توفر له أكثر! (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ)، فهناك تقدير للأشياء، ولكن تقدير لا يصل بالأشياء إلى حد الندرة، على حسب ما يعبرون هم، أن تصبح الأشياء نادرة جدا، لا يتوفر منها إلا القليل، فيبررون لذلك أسلوبهم الجشع الذي يعتمدون فيه على النهب لثروات الشعوب، والسيطرة والاستحواذ على مقدرات الشعوب، فيكسبون بذلك لهم الثروات الطائلة والهائلة جدا جدا جدا، ويظلمون بقية البشر، ويسعون إلى تجويعهم، وإلى إغراقهم في المعاناة وإهلاكهم في الظروف الصعبة والقاسية، تصل بعض الأحيان في بعض البلدان إلى حد المجاعات، بلدان معينة مثلا في أفريقيا، وصلت إلى حالة مجاعات، ليس لأنه ليس فيها ما يمكن أن يكتفى به لتلبية احتياجات سكانها، بل لأن مواردها تنهب، وليس لأنها ليست ذات موارد، وأحيانا يجتمع مع ذلك سوء الإدارة، الفشل أيضا، قلة الاهتمام، عدم المعرفة، عوامل كثيرة تجتمع فتؤثر)). انتهى
