الاقتصادي

غزاةٌ بلا دبابات

المال الأجنبي والمال المجنس (مقاربة في الأمن الاقتصادي)

 ورقة عمل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباحث
محمد محمد أحمد الانسي
 
 

بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾.
صدق الله العظيم
سورة الاسراء الآية 9
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا*قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى*وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾.
صدق الله العظيم
سورة طه الآية من 123 إلى 127
 
فهرس المحتويات
لماذا رأس المال الأجنبي و«المُجنَّس» أخطر من الأسلحة؟ 5
تعريف رأس المال الأجنبي 5
رأس المال (المُجنَّس) 5
كيف تنتقل القيمة إلى الخارج؟ 6
خطورة رأس المال الأجنبي على الاقتصادات الوطنية 7
السيطرة على الأصول 9
استراتيجية الحماية الوحيدة للأمن الاقتصادي والمالي 11
دراسة غربية تعترف بحجم النهب الاقتصادي الفاحش 12
التقييم النقدي للاستنزاف 13
التقييم بأسعار الشمال 13
الاستنزاف المادي في عام 2015 13
الاستنزاف التراكمي 1990–2015 14
لماذا خُدعنا؟ 14
هل تعيش الأمة الإسلامية حالة العقوبة الإلهية؟ 17
أهمية الأمن الاقتصادي 17
 
لماذا رأس المال الأجنبي و«المُجنَّس» أخطر من الأسلحة؟
تعريف رأس المال الأجنبي
رأس المال الأجنبي هو المال الذي تعود ملكيته أو السيطرة الفعلية عليه إلى أفراد أو شركات أو مؤسسات من خارج البلد، سواء كان مصدره عربيًا أو آسيويًا أو أوروبيًا أو أمريكيًا؛ فهو رأس مال يدخل حدود بلدك قادمًا من الخارج، ليستثمر في الشركات أو البنوك أو الأراضي أو العقارات أو الثروات الطبيعية أو الأسواق أو غيرها من الأنشطة الاقتصادية.
ولا تكمن خطورة رأس المال الأجنبي في كونه قادمًا من الخارج، وإنما في طبيعة عمله داخل الاقتصاد، ومن يسيطر عليه، ولمن تعود القيمة التي يولدها في النهاية. إن خطورته تكمن في نقل القيمة الاقتصادية إلى الخارج، وتعطيل دورة المال، ومنعه من القيام بوظيفته الاجتماعية. هذا إن كان المال الأجنبي غير ربوي؛ أمّا حين يكون ربوياً، فأضراره أكثر خطورةً وأشد فتكاً بالاقتصاد، حيث يسحق العملة ويجرّع الشعوب معيشة ضنكا؛ لأنه يقوم بنقل تضخم العملات الربوية الأجنبية إلى البلد المستهدف بالمال الأجنبي، وتنعكس آثاره على العملة المحلية وعلى القدرة الشرائية، وعلى الاقتصاد بشكل عام إذ يعرضه للتآكل والمحق الإلهي.
فالاقتصاد في جوهره عملية إنتاج للقيمة؛ فـإذا أصبحت ملكية الجزء الأكبر من الأصول الاقتصادية في يد رأس مال خارجي، فإن جزءا كبيراً من القيمة التي ينتجها المجتمع تنتقل إلى الخارج في صورة أرباح وفوائد ورسوم وحصص رسوم العلامات التجارية، وحقوق ملكية وغيرها.
رأس المال (المُجنَّس)
رأس المال المجنّس هو أكثر تعقيدًا وخطورة؛ لأنه يبدو من الناحية الشكلية مالا محلياً، قد يعمل من خلال شركة مسجلة داخل البلد، ويحمل مالكه جنسية البلد، أو يستخدم أسماء وشركات وشركاء محليين، وفي نفس الوقت تكون مصادر تمويله أو ملكيته تابعة لمال أجنبي، والمشكلة نفسها تكون مع المال المحلي الذي يسكن في بنوك الخارج، ولهذا يمنح أصحاب رأس المال التجاري جنسيات متعددة، لتسكين أموالهم في البنوك الدولية وفي حسابات الشركات المتعددة الجنسيات، لدمجها في هياكل التمويل الربوية، ولربطها بأنشطة الأسواق المالية، وتقريبها من إغراءات الاستثمار في سندات الخزانة فتصبح في خدمة المرابين، وأداة من أدوات نقل القيمة وتوزيع التضخم على الشعوب.
وفي بلدان الأمة الإسلامية العديد من الشركات التي تسمى «وطنية»، وهي في الحقيقة جزءٌ من شبكة رأسمال خارجي، تحول أرباحها وقيمتها الاقتصادية إلى الخارج.
هذا النوع أخطر من رأس المال الأجنبي الصريح! لأن رأس المال الأجنبي المعروف تستطيع الدولة والمجتمع التعرف عليه وتجنبه أو وضع الضوابط عليه إن أرادت ذلك؛ أما رأس المال المُجنَّس فقد يعمل من داخل الاقتصاد وينتحل صفة (الوطنية) ويحصل على امتيازات تمنع تكافؤ الفرص وتشكل قمعاً لرأس المال المحلي الفعلي فتخرجه من السوق، ومع ذلك يمارس جريمة نقل القيمة ويستنزف الاقتصاد إلى الخارج.
كيف تنتقل القيمة إلى الخارج؟
 يحدث انتقال القيمة عندما تسيطر شركات رأس المال الأجنبي على موارد طبيعية وأسواق استراتيجية وتصبح صاحبة النصيب الأكبر من العوائد الناتجة عنها، في ظل عملة محلية مسحوقة أمام آلية تسعير غير متكافئة، وهذا أهم أسباب فوارق النهب الاقتصادي بين بلدان ما يسمى بالشمال العالمي (الناهب)، وبلدان ما يسمى بالجنوب العالمي التي قبلت بتسمية (نامية) مع أنها اقتصادياً هي البلدان الغنية بالثروات والموارد والقوة البشرية الإنتاجية والاستهلاكية. [ ]
 في الغالب يرتبط رأس المال الأجنبي بالاستيراد، لأن أهم وظائف رأس المال الأجنبي توسعة الاستيراد لتوزيع التضخم ونقل القيمة إلى الخارج. وكل المشاريع الاقتصادية الممولة من مؤسسة التمويل الدولية (IFC) ومن الكيانات الأخرى، تمارس الاستيراد وتصبح جزءا ًمن عمالقة التعبئة والتغليف والاستيراد. حتى أموال الصرافة والبنوك التي عملت المؤسسات التابعة للمصرفيين المرابين على نشرها في بلدان الأمة الإسلامية كلها تمارس الاستيراد ويمكن اكتشاف هذه بسهولة لو أرادت الجهات المعنية عن الأمن الاقتصادي في بلدان أمتنا.
 لا تخرج الثروة من البلد بالضرورة في صورة شاحنات محملة بالأموال، بل توجد طرق كثيرة يمكن أن تنتقل بها القيمة الاقتصادية إلى الخارج. منها تحويلات الأرباح السنوية للشركات الأجنبية إلى الخارج، وفي تحويلات أخرى باسم الفوائد على القروض، وتدفع الشركات المحلية رسومًا مقابل العلامات التجارية، والتكنولوجيا وتراخيصها. وهنا دفع سنوي للشركات (الأم) في الخارج.
 يحدث انتقال القيمة كذلك عندما تستحوذ شركات خارجية على أصول محلية منخفضة السعر ثم ترتفع قيمتها بعد سنوات. وقد تكون الشركة موجودة داخل البلد، ويعمل فيها أبناء البلد، وتبيع منتجاتها داخل البلد، لكن الجزء الأكبر من الفائض الاقتصادي الذي تنتجه ينتهي في حسابات المالكين خارج البلد.
باختصار.. مكان النشاط الاقتصادي لا يحدد المنفعة الاقتصادية؛ بل يحددها اتجاه ملكية العائد النهائي من النشاط الاقتصادي.

خطورة رأس المال الأجنبي
على الاقتصادات الوطنية
من المعلوم بأن السلاح يستطيع أن يهدم مصنعًا، لكن رأس المال الأجنبي إذا دخل بلداً تمكن من السيطرة الاقتصادية واستطاع أن يجعل المصنع نفسه يعمل لمصلحة من يملكه!
السلاح يستطيع أن يدمر أرضًا زراعية، لكن رأس المال الأجنبي يمكنه أن يملك الأرض وإنتاجها وتسويقها وربحها، ويجعل أهل البلد مجرد عمالة رخيصة تابعة له.
كما تبرز خطورته رأس المال الأجنبي وأضراره في الأشكال والصور التالية:
1. يشكّل نشر وتوزيع رأس المال الأجنبي في البلدان الغنية بالموارد والثروات – التي يُطلق عليها زوراً وتضليلاً “البلدان النامية” – أحد الركائز الأساسية للنظام المالي العالمي الربوي، التي تمكنه من توزيع التضخم وتحريك الدولار والعملات التابعة له، بما يؤدي إلى نهب القيمة الاقتصادية من تلك البلدان المستهدفة، وعلى رأسها بلدان الأمة الإسلامية.
2. من وظائف رأس المال الأجنبي والمُجنَّس (المسكّن في الخارج) هي؛ تعميق التبعية للعملات الأجنبية، ومضاعفة الطلب عليها، بما يقود إلى نقل القيمة من الاقتصاد المحلي إلى الخارج بصورة مستمرة ومنهجية.
3. يقوم رأس المال الأجنبي والمُجنَّس بقمع الإنتاج المحلي، والصناعات الوطنية عبر منافسة غير متكافئة، مستندًا إلى مزايا تمويلية وتقنية واحتكارية، بما يحد من نهوض الإنتاج الوطني ويقوض فرص بناء القاعدة الصناعية المستقلة.
4. يقوم رأس المال الأجنبي بتحويل أرباحه وعوائده إلى الخارج، ما يؤدي إلى رفع مستوى الحاجة المستمرة للعملة الأجنبية، ويشمل ذلك:
o تحويل قيمة المواد والمدخلات المستوردة.
o تحويل أرباح رأس المال والمساهمين إلى البلدان الأم.
o تحويل جزء من مرتبات الموظفين الأجانب بالعملة الأجنبية.
5. تنعكس آثار رأس المال الأجنبي والمُجنَّس مباشرة على العملة المحلية، من خلال تآكل قيمتها الحقيقية، وتراجع قدرتها الشرائية، بما يؤدي إلى انخفاض تدريجي في مستوى معيشة السكان.
6. يؤدي رأس المال الأجنبي والمجنّس إلى توسعة الاعتماد على الاستيراد، وهذا يشكل ضغطا هيكليا على ميزان المدفوعات، ويعمّق اختلال العلاقة بين الصادرات والواردات.
7. تتركز معظم استثمارات رأس المال الأجنبي في الصناعات الاستخراجية، بما يجعل نشاطها موجَّهاً أساسا نحو نهب القيمة والقيمة المضافة، عبر تصدير المواد الخام بأسعار زهيدة، والاستفادة من تحويلها وتصنيعها في البلدان الأم لتحقيق أعلى العوائد.
8. تقوم شركات رأس المال الأجنبي بدفع فوائد (ربوية) على التمويل الوارد إليها من الخارج، ما يؤدي إلى استنزاف إضافي للعملة الأجنبية وتعميق الارتباط بالنظام المالي الربوي العالمي.
9. تدفع شركات رأس المال الأجنبي رسومًا سنوية مقابل استخدام العلامات التجارية وحقوق الامتياز، وهو ما يمثل قناة دائمة لتحويل واستنزاف العملة الصعبة دون مقابل إنتاجي محلي مكافئ.
10. تقوم شركات رأس المال الأجنبي بتحويل أجور المعونة الفنية والخبرات الأجنبية إلى الخارج، بما يشكل مساراً إضافياً لنقل القيمة واستنزاف الاحتياطيات الأجنبية.
السيطرة على الأصول
يستطيع الباحثون الصادقون أن يتوصلوا بسهولة إلى أن أهم مشكلات الاقتصادات الإسلامية هو تسلل رأس المال الأجنبي إليها، وتمكنه من فرض تبادل اقتصادي وتجاري غير متكافئ. والأخطر أنه تمكن من السيطرة على الأصول المنتجة في معظم بلدان الأمة الإسلامية. (البنوك، والطاقة، والمياه، والاتصالات، والموانئ، والنقل، والتعدين، والغذاء، والعقارات، والأسواق الكبرى، والبنية الرقمية، وشبكات الدفع، ومنافذ العبور والمضائق كالمندب وهرمز).
وإذا انتقلت ملكية نسبة كبيرة من الأصول الوطنية إلى الخارج، فإن جزءًا كبيرا من الدخل يذهب إلى الخارج. وحين تفتح أبواب البلدان لرأس المال الأجنبي أو تقبل به بطريقة (التجنيس) المقنّعة فإنه يتمكن من السيطرة على التمويل، ومن يسيطر على التمويل يستطيع أن يسيطر على الإنتاج والأسواق ويؤثر في الاتجاهات.
 

استراتيجية الحماية المضمونة الوحيدة للأمن الاقتصادي
قال الله تبارك وتعالى:
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
سورة البقرة الآية 257
قال الله تبارك وتعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.
سورة النساء الآية 144
• الارتباط الإيماني بالله رب العالمين ارتباطاً صادقاً من شروطه، الكفر بالطاغوت واتخاذ الشيطان وأولياء الشيطان عدواً ومن شأن ذلك أن يحفز قيم العزة ويهدي إلى السبل الاقتصادية وإلى آليات التعامل والانتفاع الفعلي الصحيح بها.
الإيمان الصادق يجعل من يحمله يدرك خطورة القبول بانتفاع أولياء الشيطان بكلمة (راعنا) ناهيك عن تمكينهم من الاقتصاد والثروات وفتح أبواب البلدان لعملاتهم المسمومة المثقلة بالتضخم الربوي لتقوم بتوزيعه على العملة المحلية وعلى الاقتصاد فتصبح معيشة الناس ضنكا ومليئة بالشقاء والتعقيدات بالرغم مما سخره الله لأبناء الأمة الإسلامية من ثروات وموارد لا مثيل لها؛ إنها أكثر من ثلاثة أرباع الثروات الموجودة في العالم كله. كان ذلك من أجل أن يقوموا بدورهم في إيصال رسالة الإسلام الحقيقي القوي الجذاب العزيز كما أراد الله.
 
دراسة تعترف بحجم النهب الاقتصادي الفاحش
في دراسة بعنوان (الاستيلاء الإمبريالي في الاقتصاد العالمي استنزاف الجنوب العالمي من خلال التبادل غير المتكافئ، 1990-2015)، للدكتور جيسون هيكل وفريق من الأكاديميين المشاركين من معهد العلوم والتكنولوجيا البيئية، بجامعة برشلونة المستقلة (ICTA-UAB)، إسبانيا، ومن قسم الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، بجامعة برشلونة المستقلة، إسبانيا، ومن معهد كونراد لورينز لأبحاث التطور والإدراك، النمسا. ومؤسسات علمية أخرى.
وتوصلت هذه الدراسة إلى نتائج مدهشة ومخيفة عن حجم النهب الاقتصادي الذي تتعرض له بلدان ما يسمى بالجنوب العالمي (النامية/الغنية) وعلى رأسها بلدان الأمة الإسلامية على يد بنوك وشركات ما يسمى ببلدان الشمال العالمي (الناهبة) أصحاب المليار (الذهبي)، أبرز هذه النتائج ما يلي:
التقييم النقدي للاستنزاف
الدراسة توضح الاستنزاف بطريقتين.
التقييم بأسعار الشمال
المنهج الأول يقول: لنقدّر الموارد والعمل المستنزف من الجنوب كما لو كانت مسعّرة بأسعار الشمال. بهذا التقدير، بلغت قيمة الاستنزاف في 2015 نحو 10.8 تريليون دولار.
وخلال الفترة 1990–2015 بلغ الإجمالي 242 تريليون دولار بأسعار الدولار الثابت لعام 2010.
الفترة قيمة الاستنزاف بأسعار الشمال
2015 10.78 تريليون دولار
1990إلى 2015 242.41 تريليون دولار
الاستنزاف المادي في عام 2015
تصل الدراسة إلى أن صافي ما استحوذ عليه ما يسمى بالشمال (أوروبا وأمريكا) من الجنوب (البلدان الإسلامية وأفريقيا) في عام 2015 كان ضخماً جداً:
المورد صافي الاستنزاف من الجنوب إلى الشمال في 2015
المواد الخام 12.02 مليار طن
الطاقة 21.06 إكساجول

الاستنزاف التراكمي 1990–2015
خلال الفترة كلها، كان الاستنزاف التراكمي من الجنوب:
المورد الاستنزاف التراكمي 1990–2015
المواد الخام 254.40 مليار طن
الطاقة 650.34 إكساجول
هذه الأرقام تجعل الدراسة تقول إن الأمر ليس خللاً عابراً، بل بنية مستمرة على مدى ربع قرن.
المشكلة ليست أن الجنوب لا يشارك في التجارة، بل أنه يشارك فيها بشروط تجعله يقدم أكثر بكثير مما يحصل عليه، وتوضح الدراسة أن هذه الموارد لم تُعوّض بشروط تجارية مكافئة، بل انتقلت فعلياً لصالح استهلاك الشمال، وهي تمثل حصة كبيرة من الاستهلاك الشمالي نفسه. [ ]

 
ماذا خُدعنا؟
قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. سورة النساء الآية 144
قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾.
سورة المائدة الآية 82

وأخبرنا الله بالكثير من صفات أولياء الشيطان كعدو فعلي لنا، منها أنهم؛ يشترون الضلالة، ويريدون لنا أن نضل، وأن نُخدع بما يقولونه لنا، وحذرنا من خداعهم وتزييفهم، ولم نثق بالله، فخدعنا لمرات عديدة وما زلنا خاضعين لهم، تحت الكثير من العناوين المقنّعة بالأممية، والدولية. والمالية والاقتصادية والبيئية.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾.
سورة النساء الآية 44
وأخبرنا رب العالمين أنهم لا يودون لنا حتى نزول قطرة المطر:
قال الله رب العالمين: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
سورة البقرة الآية 105

• لقد خدعنا نحن أبناء الأمة الإسلامية؛ لأننا لم نثق بالله ولم نلتزم بتوجيهاته التي كانت ستحقق لنا الحماية من النهب، والإفساد والتضليل.
لقد تعرضنا للخداع وانطلت علينا أكاذيب من حذرنا الله من خداعهم، ونهانا عن الارتباط بهم، وأخبرنا سبحانه وتعالى بأنهم: (أشد الناس عداوة للذين آمنوا)، و(شرٌ مكاناً وأضل عن سواء السبيل).
ومع ذلك، صدّقناهم حين قالوا لنا بأن التطور والخبرة والتكنولوجيا لا يمكن الحصول عليها إلا بفتح أبواب البلدان لرأس المال الأجنبي.
وفتحنا بلداننا لبنوكهم، وانشأنا بنوكاً مرتبطة بهم وبمصالحهم، مرتبطة بالدولار والعملات الربوية، وفتحنا بلداننا للسلع والمواد المستوردة.

ولو كان أبناء الأمة الإسلامية يحملون الإيمان الصادق الذي أراده الله لما قبلوا بتلك الارتباطات، ولما قبلوا بوكلاء الكافرين المرابين قادة لبلدانهم وحكوماتهم.
ولأنهم لم يفعلوا كان من الطبيعي أن يتحقق في واقع الأمة ما حذرها الله منه من المعيشة الضنكا والشقاء في الدنيا المرتبط حتماً بالشقاء في الآخرة!
لقد أمرنا الله باجتناب الطاغوت وأنزل العديد من الآيات القرآنية التي توضح لنا ما هو الطاغوت، وما هي وظيفته وما هي مخاطر عدم اجتنابه وما ثمار مقاطعته والكفر به، وأخبرنا في آيات عديدة من هم الامتداد للطاغوت، ومع ذلك لم تحدث الاستجابة لله الخالق.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.
سورة النحل الآية 36
قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾.
سورة المائدة آية 60
قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾.
سورة النساء الآية 51
قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.
سورة النساء الآية 60
قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
سورة البقرة الآية 256

هل تعيش الأمة الإسلامية
في الوضعية التي حذرها الله منها؟
الحالة الإيمانية التي عليها أبناء الأمة الإسلامية هي الحالة التي أخبرنا وحذر الله رب العالمين سبحانه وتعالى منها بقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا*قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى*وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾.
سورة طه الآية من 123 إلى 127

وهي حالة الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض التي قال الله عنها:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ* أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
سورة البقرة الآية من 85 إلى 86

أهمية الأمن الاقتصادي
اليوم؛ وفي إطار التحرر الممكن والمتاح من هيمنة أولياء الشيطان، يجب أن تقترن أشكال العودة إلى الله والارتباط به بالعديد من الإجراءات العملية؛ ولا يكفي أن تقوم البلدان بحماية حدودها فقط؛ فلا بد من حماية أصولها ومواردها وأسواقها ونظامها المالي من التحول إلى أدوات لنقل ثروتها بصورة مستمرة إلى الخارج.
واستقلال بلدان أمتنا الإسلامية ليس مرتبطاً بامتلاك الدولة علماً وحدوداً وجيشاً وأمناً وبعض المؤسسات، فالاستقلال الفعلي مرتبط بالاكتفاء الذاتي من الغذاء وبالاستقلال الاقتصادي.

ومن أراد الاستقلال الاقتصادي لا بد أن يمكن المجتمع من الإنتاج، ولا بد من تمكين رأس المال المحلي من القيام بدوره الاقتصادي وذلك بحمايته من رأس المال الأجنبي والمجنس.
أما في ظل هذه الظروف التي تعيشها بلدان الأمة الإسلامية فلا يمكن أن يحصل المال على فرصة الدوران لأنه يعمل ضمن هياكل متخصصة في المراكمة بعيداً عن المجتمع، في معظمها مراكمة لفئة قوى التمويل الربوي الخارجي.

لقد أسهم رأس المال الأجنبي في تحويل البلدان من الاكتفاء إلى الاستيراد بطريقة ناعمة ومخادعة معظمها تحت عناوين (وطنية) مكنت عمالقة التعليب (الوكلاء) من القيام بمهام الاغتيال الاقتصادي بهدوء وأساليب ناعمة وهي أخطر الأنواع الناعمة لأنها تحول الشعوب إلى ميدان مفتوح لبقية الحروب الأخرى الناعمة والصلبة.

ومن هنا فإن الأمن الاقتصادي، يصبح أهم أنواع المجالات الأمنية في هذا الزمن، الذي ينتشر فيه المال الربوي، ولا يستطيع البقاء إلا على دخوله في اقتصادات البلدان الأخرى، لتوزيع تضخمه السام على الشعوب.

انتهى.
والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــ
محمد محمد أحمد الآنسي -اليمن صنعاء
الأحد 16 ربيع الثاني 1448 هـ،
الموافق 27 سبتمبر 2026 م.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى