الاقتصادي

التناقضات الربوية في الاقتصاد العالمي تدفع نحو الحروب العالمية

(المرابون يقودون البشرية إلى مزيد من الشقاء والمعيشة الضنكا)


ــــــــــــــــ

في عام 1694م، أُسِّس بنك إنجلترا، ودُشِّن عمله باعتماد السندات الورقية أداةً لتمويل الحكومة، تحت مبرر تمويل الحرب ضد فرنسا. ولم يكن ذلك حدثا ماليا عابرا؛ بل تحول إلى قاعدة أساسية في التمويل العام. ومن ذلك اليوم أصبحت الحكومات تعتمد على الاقتراض من المرابين، مع ترحيل أعباء الديون على المجتمع، عبر آليات توزيع التضخم، التي تنعكس في تآكل القوة الشرائية، ومحق القيمة، وتتردى الأوضاع المعيشية.
ومن ذلك اليوم تحولت جريمة الربا التي كانت تمارس سراً كجريمة الزنا؛ إلى جريمة علنية تقوم بها البنوك، وتعتمد عليها في العمل المصرفي؛ وبسببها اشتعلت الحروب بشكل واسع، وانتشر الشقاء، وتوسعت أشكال المعيشة الضنكا على نطاقات واسعة في حياة البشرية، على نحو غير مسبوق.
اليوم ثمة مشاكل مالية ضخمة متراكمة تثقل كاهل الاقتصاد ناتجة عن التعامل بالربا، ومنها ارتفاع حجم الدين العالمي إلى مبلغ يزيد عن 348 ترليون دولار 2025، وارتفاع الدين الأمريكي إلى ما يزيد عن 40 ترليون دولار في منتصف 2026م.
وهناك ما هو أكبر بكثير من الديون، وهو أموال المشتقات المالية، وأحدث رقم رسمي متاح حتى 30 أكتوبر 2026، من بنك التسويات الدولية BIS لحجم سوق المشتقات المالية خارج البورصة OTC نحو844.6 تريليون دولار القيمة الاسمية، والقيمة السوقية نحو 22.8 تريليون دولار.
وتتوزع أموال المشتقات كما يلي:
1. مشتقات أسعار الفائدة نحو 669.5 تريليون دولار، أي قرابة 79.3% من الإجمالي.
2. مشتقات العملات الأجنبية: نحو 148.7 تريليون دولار.
3. مشتقات الأسهم: نحو 11.9 تريليون دولار.
4. مشتقات الائتمان: نحو 11 تريليون دولار.
بالإضافة إلى مشتقات أخرى مرتبطة بالسلع هي التي تشكل البقية، انظر (Apiar Data)

التفسير المالي والاقتصادي للمشكلة
التفسير المالي للمشكلة يتمثل في ما تقوم به الكيانات المالية العالمية من إجراءات لتوريق جزء من أموال المشتقات وأموال الديون، لتصبح قيد التداول في النظام المالي العالمي، وهذه الإجراءات مرتبطة بنتائج سلبية كارثية ستنعكس في معاناة معيشية على الشعوب، بمجرد دخول جزء من تلك الأموال في التداول.
وكل ما يحدث من صراعات وفوضى في العالم له علاقة بالتناقضات والمشاكل الاقتصادية، وفي إطار ذلك؛ يشهد العالم اليوم اندلاع أزمات اقتصادية واجتماعية في معظم بلدان العالم، وبشكل أكثر داخل أوروبا وأمريكا، مع استعداد عسكري ومدني متسارع في أوروبا، وتصعيد روسي ـ أوروبي، مقترن بارتفاع حدة الخطاب المتبادل، إلى جانب استعدادات فعلية وترتيبات داخلية، شملت مجالات الإسعاف الحربي، والتخزين الغذائي، وارشادات بشأن احتمالات تعطل الطاقة والاتصالات والإنترنت والبنية التحتية الحيوية.
في هذا السياق؛ تكتسب تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير الخارجية سيرغي لافروف أهمية خاصة؛ فقول لافروف إن أي حرب مع روسيا ستكون «مختلفة تمامًا» و«قصيرة جدًا» يحمل تلويحا باستخدام أسلحة عسكرية شديدة التأثير؛ لكن التاريخ يشهد بأن الحروب في الغالب، لا تندلع دائمًا وفق رغبة أطراف الصراع؛ بل تبدأ على أيديهم، ثم تخرج عن سيطرتهم، ولا تتوقف إلاّ بتحقيق أهداف من يقف خلفها، ويستثمر فيها، وهم أولياء الشيطان الذي وصفهم الله رب العالمين بـ(شر البرية) و(شر مكانا) و(يسعون في الأرض فسادا).
هذا التحليل يستند إلى الثوابت والسنن الإلهية، ويستدل بدروس التاريخ المتكررة، منطلقاً من النتائج الحتمية للتمويل الربوي، باعتبارها أحد العوامل الأساسية في رسم الواقع السيء، وتحديد اتجاهاته الكارثية.
إن ظروف الوضع الراهن مرتبطة بشكل مباشر بنتائج النظام المالي العالمي الربوي الذي يعاني من خلل جوهري في تصميم هياكله، وطالما استمرت البشرية متمسكة به وقابلة بالارتباط بنفس الجهات التي تقف خلفه، فسوف تستمر حاجة المرابين إلى الفوضى والصدمات الكبرى، وتصدير التناقضات إلى الخارج.
من المؤشرات الكبرى التي برزت في الساحة العالمية، ارتفاع مستويات التصعيد، وزيادة الاستثمار في الذخائر والدفاع الجوي والطائرات المسيّرة والصناعة العسكرية، وتوسيع الاحتياط، وحماية المنشآت الحساسة، وتوسع الضربات داخل الأراضي الروسية، وارتفاع مستوى الخطاب الردعي.
في نفس السياق تأتي الاستعدادات الأوروبية لتؤكد بأن الأمر لم يعد مجرد خطاب سياسي؛ فألمانيا تضع ضمن تخطيطها ترتيبات بشأن قدراتها الطبية لاستقبال نحو ألف جريح يوميًا. وفنلندا تقوم برفع سن الاحتياط إلى 65 عامًا، كما ووسعت عدد من الدول الأوروبية خيارات الاستدعاء والجاهزية البشرية.
صدرت توصيات في دول أوروبية عديدة رسمية بتوفير الغذاء والماء والأدوية والراديو والبطاريات والاستعداد لانقطاع الكهرباء والاتصالات.
من خصائص النظام الربوي أنه يحتاج إلى توزيع تضخمه من خلال المزيد من تمويل الإنفاق العسكري عن طريق الاقتراض المتراكم، وفي نفس الوقت يقوم بنقل الأعباء الربوية على الشعوب.
والمؤشرات على ذلك تبرز واضحة في ارتفاع الاحتجاجات الاجتماعية في عدد من الدول الأوروبية بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة والسكن والإيجارات والضغط على الأجور والخدمات العامة.
هذا شيء طبيعي في ظل الارتباط بالنظام المالي الربوي، والأكثر اثارة للتعجب أن قوى التمويل الربوية تضغط على الحكومات نحو مزيد من المعالجة الكارثية بالتي كانت هي الداء. لتجد نفسها لاعباً أساسيا في مشروع الشيطان ونشاطه القائم على الافساد والظلم والتخبط.
هذه الحالة تعكس الصورة الفعلية التي ذكرها الله رب العالمين سبحانه وتعالى بقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا)، وقول الله تبارك وتعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا).
وتبقى أمام الفوضى الربوية عدة سيناريوهات؛ منها توسع الحرب نحو أوروبا والكثير من بلدان العالم، أو استمرار الحرب مع توسعها في بعض الدول الأوروبية، مع احتكاك محدود مع روسيا. والأخير احتمال ضعيف.
***
الأثر والانعكاسات على شعوب الأمة الإسلامية
قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ۝ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾.
ويدرك الكثير من المختصين والمهتمين -وإن كان لا يتحدث إلا قليلاً منهم عن ذلك- بأن الأزمات الاجتماعية والاقتصادية مرتبطة بالتناقضات الجوهرية في النظام المالي العالمي القائم على الربا والتضخم وتراكم الديون، ويحتاج المرابون إلى إعادة التموضع وارتداء اقنعة جديدة لتستمر سيطرتهم وانشطة فسادهم في الأرض. ونظراً لذلك يشهد العالم اليوم تحولات كبرى وانتقالاً لمركز الثقل الاقتصادي والمالي من الغرب إلى الشرق سوف يكون مصحوبا بقدر كبير من الصدمات والصراعات.
وتقع بلدان العالم الإسلامي، في قلب الصراع وفي صميم التحولات الجارية بسبب موقعها الجيوسياسي، وامتلاكها الجزء الأكبر من موارد الطاقة والثروات. ومن المؤكد أن أوضاعها ستكون أكثر صعوبة من غيرها؛ لأنها قبلت بالتطبيع والتسليم والارتباط بمن أمرها الله أن تتخذه عدواً وقبلت بعبودية الاستيراد الشامل واستمرت لعقود معتمدة على الخارج.
ومهما كانت اتجاهات الوضع الأمني والعسكري القادم؛ فستكون معاناة شعوب الأمة الإسلامية أكثر من غيرها، وستعاني من ارتفاع أسعار الغذاء، والوقود، والشحن والتأمين، والتحويلات الخارجية، والأدوية والمستلزمات المستوردة.
ما أحوج الأمة اليوم لتستحضر قول الشهيد القائد/ الحسين بن البدر رضوان الله عليه؛ (ليس التفريط وقت وقوع الحدث)؛ بل حين استمع الجميع للتوجيهات الإلهية، وكان الرد عليها هو الرفض والتهاون والتهرب؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.
والله غالب على أمره
ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
ــــــــــــــــــــــــ
محمد الانسي
باحث في الشؤون الاقتصادية
اليمن -صنعاء
الخميس 18 جمادى الأولى 1448هـ الموافق 29 أكتوبر 2026م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى