ــــــــــــــــــــــــــــــــ
﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾
***
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾
***
تشكل تجربة البندقية درساً تاريخياً عن العلاقة بين احتكار الثروة واحتكار القرار، وكيف يمكن لمؤسسات الدولة أن تتحول من أدوات لإقامة القسط والإحسان للناس، وتقديم الشهادة لله على كماله وكمال تشريعاته وكفاءتها في بناء الدولة الكريمة، إلى أدوات لحماية مصالح المرابين وقوى الاحتكار التجاري، ومن خلفهم مشروع الشيطان بمن فيه من شبكات الفساد والتخريب والظلم.
وظاهرة البندقية لم تختفِ بانتهاء جمهورية البندقية، بل استمرت إلى يومنا هذا، معتمدة على نقل عربة الهيمنة إلى بلد آخر، بأشكال مختلفة في نماذج سياسية واقتصادية عديدة عبر التاريخ الى اليوم
***
استخدمت البندقية كدولة لحماية مصالح قوى الاحتكارات والتهريب والنهب، وكانت قوى الاحتكار ووكلاء رأس المال هي الدولة.
***
كان الإنتاج في جمهورية البندقية محدوداً، ويخضع لسياسات قمع؛ لأن الدولة اعتمدت على الاستيراد نزولا عند رغبة المقرضين الممولين، واكتفت بلعب دور الوسيط التجاري بجلب السلع من الشرق لبيعها للغرب مستفيدة من موقعها التجاري المدعوم بقوة عسكرية كبيرة وأسطول بحري تجاري يقارب ثلاثة ألف سفينة وعسكري يزيد عن ثلاثمائة سفينة هي الأكبر على مستوى العالم في تلك المرحلة.
بالرغم من تحقيق إيرادات كبيرة وضرائب إلا أنها كانت تصب في خدمة المرابين أنفسهم بينما يزداد الوضع الداخلي سوءاً، وتندرج هذه المعادلة ضمن سنن الله الخالق ومن خطوطه العريضة التي لا يمكن للبشرية كلها أن تتجاوزها.
….
ومع أن النظام في البندقية، كان يقوم بسلسلة متواصلة من الاحتفالات والمهرجانات والعروض والكرنفالات ضمن الأنشطة العامة وبهدف احتواء التوترات الاجتماعية.
لكنها كانت ضمن تطبيق نظرية (الخبز والسيرك).
…….
أما الواقع خلف البنية المؤسسية فقد كان مختلفاً، وأكثر تعقيداً؛
كانت السلطة تخضع لهيمنة نخبة محدودة، واختيار كوادرها مرتبط بمعايير التوافق مع مصالح قوى التمويل والاحتكار التجاري وشبكات التهريب التابعة لها.
…..
كان الفاعل الأساسي هم المرابون العالميون المتمركزون في مناطق مجاورة للبندقية أكثر من التابعين لهم المتواجدين فيها كوكلاء. وكان الموقع الاجتماعي والاعتباري في البندقية يتشكل من تلك أقلية محدودة، مكونة من أسر قليلة من الشركاء والتابعين للقوى الفاعلة في الكواليس (المرابين).
***
حكمت تلك الأقلية باسم (جمهورية البندقية) من خلال لجان عليا، تابعة لـما يسمى بـ (مجلس العشرة)، بالرغم من الحديث عن جمهورية ومؤسسات، وبالرغم من تعيين بعض القادة كوزراء؛ إلا أن واقع تسيير الأمور كان يتم عبر (اللجان) التي كانت تقدم على أنها مؤقتة لكنها كانت تستمر هي الفاعل لتسيير شؤون التجار وحماية مصالح قوى الاحتكارات.
***
قام (النظام الحاكم) في البندقية باحتواء رجال الدين، والنخب والمشاهير (الملأ)، وكذلك الثقافيين والإعلاميين ليكونوا في صفه. ودعما للنظام كان البابا (بيوس الثاني) يخرج إلى الناس ليشرعن القمع ويبرر التوسع في نهب البلدان والسفن ومما قاله: (إن القوة البحرية ضرورية للدفاع عن العالم المسيحي)، وقال (البندقية، بما تملكه من أسطول وثروة وخبرة في شؤون الحكم، هي قوة لا يمكن الاستغناء عنها في مواجهة أعداء الإيمان)، (الأمر عادل إذا خدم مصالح الدولة، نحن معها في قرارات التوسع من أجل المصلحة العامة).
***
مرتكزات (جمهورية البندقية)
قامت دولة البندقية على منظومة مالية وتجارية متشابكة، شكّلت الأساس الحقيقي لنفوذها السياسي والعسكري، وكان من أبرز مرتكزاتها ما يلي:
1. تخصيص مؤسسة خاصة بالجباية وترتيب آليات الاقتراض الذي تحتاج إليه الدولة مقابل فوائد وامتيازات شديدة الأثر. (وبسببها تحول المال المُقرض إلى أداة دائمة للنفوذ، لأنه فرض على الدولة منح المقرضين فوائد وامتيازات استثنائية رسّخت هيمنتهم على القرار الاقتصادي).
2. حماية الاحتكارات المالية والتجارية، ومنع المنافسة لضمان بقاء الأسواق والامتيازات حكراً على الدوائر المرتبطة برأس المال الداعم للدولة (جيش التجار والمصرفيين ورجال أمنهم).
3. اعتماد على تجارة قائمة على الاستيراد؛ إذ رأت أن العوائد من الاستيراد أسرع، دون اكتراث لتبعاتها وأثرها على معيشة السكان؛ وحصل التجار وقوى الاحتكارات على حماية كاملة وتعاملت معها الدولة كمصالح مطابقة لـلمصلحة الوطنية.
4. فرضت الدولة نظاماً ضريبياً؛ من أجل سداد الديون على حساب المواطنين. دون اكتراث بأثر ذلك على الإنتاج والاكتفاء، وبلا اعتبار لضرره على القدرة الشرائية وأثره في انهيار فرص العمل، ومنع رأس المال المحلي (غير الربوي) من النهوض والاستمرار في الأداء.
5. منح كبار التجار والوكلاء المرتبطين برأس المال الأجنبي شبكة واسعة من الامتيازات والإعفاءات والحمايات التجارية، في الوقت الذي خضع فيه رأس المال الوطني والإنتاج المحلي لضرائب وقيود أضعفت قدرتهما على المنافسة، ورسّخت اختلال موازين السوق لمصلحة القوى المالية النافذة.
6. حصل مجلس الحكم واللجان العليا على امتيازات وحصانة سيادية فوق الوطنية، بموجبها لا يخضع أحد لأي مساءلة حقيقية. الأمر الذي رسخ تركيز السلطة والثروة والنفوذ في أيدي نخبة مالية وسياسية محدودة.
***
ظل تلك المرتكزات تعمل دون اكتراث بالوضع الداخلي بالرغم من الفرص الكبيرة التي أمام الدولة للبناء والنهوض الاقتصادي الفعلي، فلم تكن (البندقية) كحكومة في جوهرها ممثلة لإرادة شعبية ولا تعبر عن آمال السكان ولا تطلعاتهم.
بالرغم من أن نظام البندقية كان على علاقة مع البابا ورجال الدين التابعين له، ويتحدثون باسم الدين والمجتمع وحمايته من حين لآخر، أما ارتباطهم الفعلي فلم يكن إلا مع الشيطان وأدواته التجارية، ولم يكن رجال الدولة سوى حماة للمرابين وجنودا مع مصالحهم فقط، وليس لهم أي ارتباط فعلي لا بدين ولا قيم ولا مبادئ ولا شعب.
***
حصلت الاحتكارات على حماية كاملة من خلال تنظيمات معقدة، حيث استخدمت الدولة تراخيص الطرق التجارية، وقامت بإنفاذ صارم ضد المنافسين لقوى الاحتكارات فقط،
***
بالرغم من المساحة الجغرافية الصغيرة والمحدودة لدولة البندقية، فقد مارس نظامها الهيمنة، وفرض نظاماً واسعاً في المنطقة المحيطة بالبندقية التي تمكنت لعب دور محوري في ظل تحولات عالمية، ومع أهمية تلك الفرص التي كانت متاحة للدولة في تلك المرحلة، إلا أنها لم تنعكس على النظام في تصحيح وضعه الداخلي ولم تسهم حتى في تعاملها مع الشعب بل ضاعفت مشكلة التهرب من تحقيق العدل والانصاف وتسوية مشاكل الإجراءات الخدمية، وضاعفت من استمرار وتيرة الظلم والقمع والامتهان لكل من يحاول رفض الظلم او يسعى للهروب من الامتهان والطغيان.
***
لم تكن البندقية تتسامح بسهولة مع أي شيء تعتبره تهديداً لشبكة التجار والمهربين وقوى التمويل الربوية التابعة لشبكة من عوائل مصرفية يهودية انتقلت من بابل ضمن مهمة ربط أوروبا بكنيس الشيطان ونقل مشروعه التدميري إليها. ومع أن الدولة امتلكت جهازاً استخباراتياً ودبلوماسياً متقدماً مقارنة بعصرها، لكنه كان موجهاً أساساً لحماية نظامها الأوليغارشي، وفاعلاً فقط في مسار مصالح طبقتها الحاكمة.
فالسفارات، وشبكات الوكلاء، والرقابة الداخلية لم تكن فقط أدوات لإدارة الدولة، بل وسائل لضمان استمرار هيمنة النخبة التجارية وشبكات التهريب، ومنع ظهور قوى منافسة لها.
***
بسبب التبعية والخضوع لقوى تجارية غرقت الدولة في وظيفة قمع المنافسين وحماية مصالح المحتكرين. وعلى الصعيد الداخلي انتشر التراخي وغاب الانصاف في بقية الجوانب، وفي إطار ذلك حولت البندقية مؤسساتها نحو التجسس والرقابة الداخلية، لمنع أي تهديد يمكن أن يزعزع الاحتكارات أو يهدد القائمين على اللجان والمؤسسة العليا في السلطة.
***
لا تكمن أهمية البندقية في وجود مكوناتها فحسب، بل في وجودها كآلة متكاملة لا ترتبط بأي قيم ولا مبادئ على ارض الواقع.
وكما يشير المؤرخ (روجر كراولي)، إلى أن الدولة منحت نفسها حق بيع أي شيء لأي شخص بغض النظر عن الغرض من استخدامه، ودون الاصغاء لأي رؤية ومقترح لا تتوافق مع مصالح قوى التمويل والاحتكار الربوي.
ونتيجة لتلك السياسات وفي ظل الظروف والمتغيرات الداخلية والمحيطة بها وصلت البندقية إلى بيع جنودها وعتادها الحربي، إذ كان المنطق التجاري هو الطاغي وفقاً لمصالح الفاعل في الكواليس (مجموعة المرابين) والوكلاء التابعين لهم.
***
حين تقدم الجيش الفرنسي نحو البندقية، قام بسحق جيوش البندقية، بكل سهولة بالرغم من القوة والسمعة العالمية التي كانت تحظى بها القوات العسكرية التابعة للبندقية كقوة ضاربة، وبالرغم من امتلاكها قوات بحرية لا نظير لها في العالم، المئات من السفن العسكرية.
***
ولم يتدخل أحد من المواطنين ولا من المكونات الاجتماعية لأنهم مروا بمراحل عصيبة وتجرعوا الامتهان على يد تلك الدولة التي اثقلتهم قمعاً وسجناً وظلماً وضرائب ومعاناة ولم يأسف على رجالها أحد.
***
وبالنسبة لقوى التمويل والاحتكارات الربوية وبحكم نفوذ المرابين وامتداد شبكاتهم المصرفية في المناطق القريبة، فقد كانوا على علم بقدوم جيوش وقوات عسكرية نحو البندقية، ولم يجدوا مشكلة في ذلك.فقد كانوا يعملون على بناء شركة الهند الشرقية البريطانية وشركة الهند الشرقية الهولندية، كبدائل عالمية أخرى؛ ثم خطط التمويه وإعادة التموضع وتغيير الأساليب، وقبل وصول الجيش الفرنسي كان التجار والمرابون قد انتقلوا بسهولة إلى هولندا والجزر البريطانية ليصنعوا منها عربة جديدة للهيمنة، ومقراً رئيسياً لكنيس الشيطان…
***
ومن هولندا وجزر بريطانيا استمرت تجارتهم واستمر طغيانهم وفسادهم بقيادة الشيطان الرجيم ومن داخل مقره الرسمي (كنيّس الشيطان) وفي ظله استمرت انشطتهم الوثنية وانحرافاتهم الفاسدة نفسها التي نُقلت من بابل الربوية إلى البندقية ثم إلى أمستردام وانجلترا على يد من قال الله فيهم ﴿مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ وانتقلت معهم الكثير من الطقوس المنحرفة والوثنية والاجرامية الخطيرة، وما زالوا مستمرين عليها إلى يومنا هذا في الكثير.
***
استمرار طغيان قوى الشيطان حتى تبرز قوة إيمانية صادقة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سوف يستمرون ويستمر طغيانهم وفسادهم في الأرض طالما لم تبرز فئة مؤمنة لتقوم بدورها الممكن والمتاح بتقديم الشاهد الجذاب، الذي تنشد إليه الشعوب المحسوبة على الإسلام، وتنشد إليه الشعوب الأخرى التي قُدم إليها الإسلام مشوهاً ومزيفاً.
ـــــ
من المهم التذكير بخطورة أي تبرير عن عدم إمكانية إقامة القسط باعتباره يدخل في اتهام الله بالنقص وهو الكامل العظيم سبحانه وتعالى عما يقولون.
ـــــ
بناء على رؤية القرآن وقرناء القرآن فإمكانية انشداد الناس إلى الله وإلى الدين مرتبطة بالإسلام الحقيقي القرآني، ومن خلال فريضة إقامة القسط، وهي وظيفة الاستخلاف الأساسية، باعتبارها هي الفريضة التي يقدم المؤمنون الصادقون بواسطتها الشهادة لله والشهادة على كماله وكمال دينه، وكفاءة تشريعاته.
***
والله ولي المتقين
محمد الانسي
ـــــ
ـــــ
ـــــ
مراجع
1. القران الكريم.
2. دروس من هدي القرآن للحسين بن البدر عليه السلام. (فإما يأتينكم مني هدى) و(دروس رمضان).
3. كارول كويجلي، المأساة والأمل: تاريخ العالم في عصرنا مطبعة (نيويورك: ماكميلان، 1966)،
4. موراي ن. روثبارد، لغز العمل المصرفي ، الطبعة الثانية (أوبورن: معهد لودفيج فون ميزس، 2008).
5. مايكل هدسون، قتل المضيف: كيف تدمر الطفيليات المالية وعبودية الديون الاقتصاد العالمي (2015)
6. ستيفن ميتفورد جودسون، تاريخ البنوك المركزية واستعباد البشرية (2014)، (الهيكل الضريبي الذي تم إدخاله بعد عام 1694، وحول التجريد من الممتلكات في أعقاب تسوية عام 1688.(
7. المال والمصارف في البندقية في العصور الوسطى وعصر النهضة لـ فريدريك سي. لين وراينهولد سي. مولر، (بالتيمور: مطبعة جامعة جونز هوبكنز، 1985)، حول أساطيل التجارة البندقية وتركيز المعادن الثمينة.
8. لين ومولر، حول سيطرة البندقية على تجارة المعادن الثمينة ودور سك العملة العامة بحلول عام 1310.
9. روجر كراولي، مدينة الحظ: كيف ربحت البندقية وخسرت إمبراطورية بحرية (لندن: فابر، 2012)، (فصل مبيعات البندقية للعبيد والمعدات الحربية)