حاول باحثون كثيرون معرفة الجهة التي تقف خلف الحروب والثورات، ولماذا تعيش البشرية داخل دورة مستمرة من الفوضى، والفقر والنزاعات والقتل والاضطراب. تتبع بعضهم مئات الخيوط في السياسة والمال والدين والتنظيمات الدولية. وفي مراحل مختلفة، وجه بعضهم الاتهام إلى الرأسمالية الاحتكارية، ووجه آخرون الاتهام للشيوعية، والنازية، والصهيونية، بوصف كل واحدة منها القوة السرية التي تحرك الحكومات وتدفعها إلى تبني سياسات تنتهي بالحرب.
وألقى آخرون المسؤولية على الكنيسة الكاثوليكية، أو الماسونية، أو اليهودية، أو دعاة الحكومة العالمية، أو مجموعة بيلدربرغ، ومجلس العلاقات الخارجية، والمنتدى الاقتصادي العالمي، وغيرها من التنظيمات. لكن كل تفسير منفرد اصطدم بحقيقة أن هذه القوى لم تكن تعمل دائمًا في اتجاه واحد. فقد تحالفت الرأسمالية مع الشيوعية، وأثبتت دراسات أكاديمية وباحثون معتبرون بالكثير من الوثائق أن بنوك أمريكا وبريطانيا مولت النازية ودعمت هتلر للوصول إلى السلطة. [ ]
كما يؤكد الواقع والتاريخ وجود كيانات وأنظمة دعمت دولاً في مراحل معينة، ثم حاربتها في مراحل أخرى. ولم يكن أي حزب أو دولة أو تنظيم ظاهر قادرًا وحده على تفسير هذه الفوضى بما فيها من تناقضات فعلية في التحالفات.
لكن؛ حين نضع هذه الوقائع أمام مضمون الرسالات الإلهية، تظهر الصورة الكاملة بشكل واضح، فالتَّمرد الشيطاني الأول امتد إلى الأرض، واتخذ في عدوانه على الإنسان أشكالًا اقتصادية ودينية وسياسية وأخلاقية متعددة، واستمر في التطور، متخذًا من الربا والفوضى والإفساد والتضليل أدواتٍ لطغيانه.
والمشكلة الحقيقية لا تكمن في الشيطان وحده، وإنما في الإنسان نفسه؛ في عدم استجابته لتوجيهات الله، ورفضه اتخاذ الشيطان والكافرين بالله أعداءً. وقد أدى هذا الرفض إلى تعطيل إحدى أهم الاستراتيجيات التي أرادها الله لحماية الإنسان، والتي كان من شأنها أن تحقق له الأمن الإيماني والاقتصادي والأخلاقي والاجتماعي الشامل.
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. سورة فاطر الآية 6
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. سورة النساء الآية 144
(2)
الحصانة من الطاغوت
﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾. سورة النحل من 99 إلى 100
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. سورة النساء الآية 60
والله ولي التوفيق