كتب/ محمد محمد أحمد الانسي
***
إننا، كبلدان إسلامية، من المهم أن نمتلك قراءة صحيحة لأحداث الوضع الراهن الجيوسياسية على الصعيد العالمي، قراءةً من زاويتنا الخاصة كأمة مسلمة أراد الله لها أن تكون خير الأمم.
ليست الدول هي التي تتصارع اليوم، بل المشاريع الاقتصادية العالمية.
قد نرى بأن العالم في الوضع الراهن ينتقل من هيمنة دولة إلى أخرى، ومن زعامة أمريكية إلى صينية، ومن قطب أحادي إلى أقطاب متعددة، بحسب السردية والتلقين الذي نتلقاه بينما الواقع ليس كذلك.
القراءة الصحيحة هي أننا نعيش ظروفا عجز النظام المالي العالمي فيها عن حل مشاكل تناقضاته الكبرى.
ومن المهم التذكير بأن أحداث الوضع الراهن تكررت في الماضي لمرات عديدة؛ في كل مرحلة وصلت فيها قوى الهيمنة الاقتصادية إلى عجز كامل أمام تناقضاتها، إنها بإعادة التموضع وتغيير الأدوات، تنقل مراكز القوة، وتستبدل الشعارات، وتعيد توزيع النفوذ، ثم تقدم الصيغة الجديدة للعالم باعتبارها نظامًا جديدًا مختلفًا.
والحروب والضغوط التجارية، والعقوبات والرسوم الجمركية والصراع على العملات والتكنولوجيا والرقائق والطاقة والمعادن والموانئ والممرات البحرية وسلاسل الإمداد ليست ملفات منفصلة. إنها أشكالٌ متعددة من مؤامرة واحدة مرتبطة بإعادة التموضع من أجل استمرار الهيمنة على البشرية: من يحدد قواعده؟ ومن ينتج؟ ومن يستهلك؟ ومن يملك الموارد؟ ومن يبقى تابعًا لها؟
***
علينا ألّا نغادر هامش مشروع عالمي لنستقر في هامش مشروع آخر؛ لأننا نمتلك من عناصر القوة المادية والإيمانية والبشرية ما يؤهلنا لأن نكون أصحاب المشروع الأهم والأكبر عالميًا، لا مجرد ساحة تتصارع فوقها مشاريع الآخرين.
***
المعركة الحقيقية بالنسبة لنا ليست بين الشرق والغرب، وإنما بين التبعية والاستقلال، وبين أن نبقى ساحةً لمشاريع الآخرين أو نصبح أصحاب مشروع مستقل. والقضية الأهم ليست في الانتقال من محور إلى آخر، بل في اتخاذ قرار العزة والاستقلال، وألّا نستبدل تبعيةً بتبعية أخرى.
***
والشيء الأكثر أهمية هو أننا، كأمة إسلامية مستهدفة أكثر من غيرها، لا نمتلك مشروعنا الخاص. لا يكفي أن نراقب التحولات أو نختار بين مشروع غربي وآخر شرقي.
المطلوب هو بناء استقلال حقيقي يبدأ من الارتباط بالله والاعتزاز بالإيمان العملي بالدين والقرآن، ولا بد أن يبرز هذا الإيمان في بناء اقتصادي واقعي يحقق العزة والمنعة والحياة الكريمة.
***
علينا أن ندرك أن الاستقلال عن النظام المالي العالمي الربوي ليس مستحيلًا، بل متاحاً وممكناً وسهلاً لو توفرت الإرادة الصادقة. لأن الاقتصاد لا تختزله النظرية النقدية، ولا يحتاج إلى الفرقاطات والبوارج المدججة بالأسلحة.
الاقتصاد في جوهره مادي؛ يقوم على الزراعة والصناعة والإنتاج، وهو في الأصل عملية توازن بين الإنتاج والاستهلاك، باختصار.
أما النقود الورقية والإلكترونية، وحتى الذهب، فليست الثروة ذاتها، فهي مجرد أداة لتنظيم التبادل ووسيلة لتسهيل الدورة الاقتصادية كي لا يكون المال (دُولةً بين الأغنياء).
***
يجب إعادة تعريف الأولويات
نحن اليوم بحاجة إلى بناء الإنسان الواعي والمنتج، قبل كل شيء. ونحن بحاجة إلى أنظمة وحكومات تؤمن بأن الغذاء ليس قطاعًا خدميًا هامشيًا، بل عنصرٌ سياديٌ واستراتيجيٌ أكثر أهمية من النفط والغاز.
***
نحتاج إلى قادة أنظمة وحكومات تؤمن بأن الدولة التي تعتمد على استيراد غذائها لا تستطيع أن تمتلك قرارها السياسي، وبمجرد تعرضها لحرب أو عقوبات تضع نفسها في مواقف محرجة متناقضة مع مشروع الاستقلال، وتمكّن عدوها من نفسها.
***
إن الحديث عن الاقتصاد يجب أن يرتبط عمليًا بالزراعة والمياه والصناعة وسلاسل الإمداد والسيادة الوطنية. أما القبول باستبدال مركز هيمنة بمركز آخر فليس استقلالًا، واستبدال عملة بعملة ليس سيادة، والانتقال من التبعية للغرب إلى التبعية للشرق لا يتوافق مع مشروع الإسلام والقرآن ومشروع العزة الذي أراده الله لنا.
***
إن المشروع الذي نحتاج إليه لا يحتاج إلى ارتباط بالمصارف والبورصات وأسواق المال الربوية، بل يحتاج إلى الإنسان المؤمن الواعي المرتبط بالله وبالقرآن، وإلى أن يبرز الإيمان بالله على أرض الواقع عملًا وإنتاجًا واكتفاءً وحياةً كريمةً لشعوب الأمة الإسلامية.
تحتاج أمتنا الإسلامية إلى قيادات تؤمن بأن من لا يملك غذاءه لا يملك قراره، ومن لا ينتج احتياجاته سيظل محتاجًا، ومن لا يمتلك مشروعه سيصبح جزءًا من مشروع الآخرين.
***
لا يمكن للسيادة أن تتحقق بالخطابات ولا بالشعارات التي ترفعها الحكومات؛ وإنما تتحقق بالقدرة الحقيقية على امتلاك القرار. وهذه القدرة لا يمكن أن نمتلكها إلا بدولة منتجة تدرك معنى الاكتفاء، وتفهم قيمة الإنتاج المحلي اقتصاديًا وسياسيًا وإيمانيًا، وتعمل على بناء اقتصاد يستطيع أن يوفر احتياجات المجتمع الأساسية ويحمي قراره من الارتهان للآخرين.
***
السيادة تحتاج إلى دول وحكومات تمتلك تنظيمًا اقتصاديًا عادلًا يمنع الاحتكارات، ويحمي الإنتاج المحلي، حتى تمتلك الشعوب أدوات التمكين والقدرة الشرائية والحياة الكريمة.
ولا يمكن الوصول إلى السيادة من دون كوادر قيادية تمتلك رصيدًا أخلاقيًا ووعيًا اقتصاديًا يحمي القيمة المنتجة في المجتمع، ويدرك أن الثروة الحقيقية لا تتحقق إلا بتمكين الإنسان من الإنتاج والعمل والتملك والمشاركة في صناعة ما يحتاج إليه من مواد وسلع استهلاكية.
***
نحن اليوم في أمس الحاجة، قبل كل شيء، إلى إعادة بناء الإنسان المبصر؛ الإنسان الذي يستطيع أن يرى حجم الثروات والمقومات الكبرى التي سخرها الله لنا، ويدرك أن المشكلة ليست في نقص الموارد، وإنما في ضعف قدرتنا على رؤيتها وتنظيمها وتحويلها إلى قوة إنتاجية واقتصادية.
إن الأمة التي لا ترى إمكاناتها ستظل تبحث عن قوتها من الخارج، والأمة التي لا تبني إنتاجها ستظل تستهلك إنتاج الآخرين، والأمة التي لا تصنع مشروعها ستصبح، عاجلًا أو آجلًا، جزءًا من مشروع غيرها.
ولذلك فإن طريق الاستقلال الحقيقي يبدأ من قرار داخلي جاد يقضي بالمنع النهائي لاستيراد ما هو متوفر محليًا، ومنع استيراد ما يمكن إنتاجه بمواد خام محلية، وأن نعيد تسمية المنتج الوطني لنربطه برأس المال المحلي والمدخلات المحلية، حتى لا نستمر ضحايا لخداع عدونا الماهر في الخداع. هذه هي الوسائل التي يمكن أن نصل من خلالها إلى الاستقلال الفعلي والعزة والحياة الكريمة.
ـــ
والله ولي التوفيق..
ــــ
اليمن صنعاء
17 /8/2026م
