الاقتصادي

علاقة اليهود بنشر الفقر وتدمير الاكتفاء الذاتي وتجويع الشعوب

جذور مشكلة الفقر وتراجع القوة الشرائية عالميًا


محمد محمد احمد الانسي
خبير اقتصادي

قبل نحو سبعين عاما تقريباً (الخمسينيات)، كان ما يقارب ثلثي سكان العالم يعيشون في الأرياف، يعملون في الزراعة والرعي وإنتاج الحرف والمستلزمات الزراعية والمنزلية، ويعتمدون بدرجة عالية على الاكتفاء الذاتي. وكان الاستيراد بين الدول محدوداً، قائماً على التكامل وفي إطار الاحتياجات الضرورية فقط، مما حافظ على نوع من الاستقرار الاقتصادي والتوازن بين الإنتاج والاستهلاك.
كان دخل الأسرة الريفية، وإن كان محدوداً، كافياً لتغطية معظم احتياجاتها الأساسية، ولم يكونوا مضطرين إلى إنفاق الجزء الأكبر من دخلهم على الغذاء كما هو الحال اليوم؛ لكن التحولات الكبرى التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، المرتبطة بـ النظام المالي والنقدي العالمي القائم على الربا والعملات الورقية، أسفرت عن تغييرات جذرية في بنية المجتمعات. لقد تحولت الفئة الكبرى من البشرية تدريجيا من قوة منتجة إلى فئة مستوردة مستهلكة تعتمد على الشركات العالمية التي فرضت سيطرتها على الزراعة والصناعات الغذائية والدوائية.

سيطرة الشركات وتحوّل الغذاء إلى سلعة استراتيجية:
 من بوابة الثورة الخضراء في الستينيات، دخلت الشركات الكبرى بقوة إلى قطاع الغذاء، وتمكنت شركات المصرفيين المرابين من السيطرة على الزراعة بواسطة الأسمدة والمبيدات والبذور المعدلة، وتوسع نشاطها في سلاسل التوزيع، وحدث ارتفاع في الإنتاج نعم؛ لكنه ليس للاستخدام والانتفاع البشري بل كان موجهاً -وما زال-لتغطية الطلب على أعلاف وأغذية الحيوانات (الأبقار والخنازير والدواجن) بعد أن حدث التحول في تربيتها من الشكل الطبيعي المكمل للنشاط الزراعي إلى التربية في سجون الهناجر العملاقة باستخدام التسمين والتغذية الاجبارية والمعدلة وراثياً لخفض فترة النمو والتسمين.
 من تلك الفترة تمكن اليهود من إخراج الزراعة إلى دائرة “التسليع التجاري” بعد أن كانت في دائرة “الحق الطبيعي” في كل تاريخي البشرية، كما ارتبطت أسعار الغذاء بالتقلبات الاقتصادية والاحتكارات اليهودية المدمرة والكارثية.

الفقر وتآكل الدخول
 اليوم، ورغم التقدم التكنولوجي وزيادة الناتج العالمي، يعيش معظم سكان الأرض تحت الضغوط الاقتصادية والمعاناة والحرمان.
 تشير البيانات والواقع المعيشي أن أكثر من 4 مليار نسمة يعيشون في ظروف ينعدم فيها الأمن الغذائي، وأكثر من 800 مليون إنسان تحت خط الفقر وهذا يعني أنهم لا يملكون قيمة الوجبة الواحدة! (يعيشون على التسول أو تناول بقايا أطعمة الآخرين).
 كل المؤشرات تؤكد انهيار الطبقة المتوسطة وتراجعها في كل بلدان العالم خلال الثمانين السنة الماضية، من الحرب العالمية الثانية إلى يومنا هذا 2025م.
 لقد أصبح الغذاء بندًا ضاغطًا على الدخل في كل أرجاء المعمورة. فالرواتب في كثير من البلدان بالكاد تكفي للضروريات من طعام وشراب، تاركة هوامش ضيقة جدًا أو معدومة للادخار أو التعليم أو الرعاية الصحية.
 ضعف العملات المحلية أمام الدولار أو العملات الصعبة يعني أن السلع المستوردة (ومنها جزء كبير من الغذاء أو مدخلاته) ترتفع أسعارها بشكل أسرع من نمو الأجور.

البعد الاستراتيجي
المشكلة لم تعد مجرد فقر مطلق في بعض المناطق، بل هي تراجع عالمي في العدالة الاقتصادية وتآكل الطبقات الوسطى. سياسات الاحتكار، المضاربات في أسواق الغذاء والطاقة، وأزمات مثل الجائحة والحروب زادت الطين بلة، ما جعل الملايين يواجهون صعوبة في توفير أساسيات الحياة. هذا الواقع يعكس خللاً هيكليًا: الموارد موجودة، لكن توزيعها مختل، والأسواق العالمية رهينة لقوى كبرى.

علاقة الربا بالمشكلة
إذ كان المصرفيون وشركاتهم الاحتكارية قد تعمدوا تدمير الاكتفاء الذاتي ضمن اهداف تمكين الدولار من الدوران وتوزيع تضخمه على العالم، فهذا يفتح جانبًا بالغ الأهمية في التحليل؛ إذ لا يمكن فصل الجانب المالي والنقدي عن التحولات الإنتاجية والاجتماعية.
فنظام الفائدة (الربا) لم يكن مجرد أداة مالية، بل أداة هيمنة، فقد تعمدت البنوك منذ منتصف القرن العشرين الماضي أن تفرض على الدول الاعتماد على القروض والتمويل القائم على الربا والفوائد الربوية وبشكل أكبر في الدول التي تسمى (نامية) ظلماً وزوراً وتضليلاً.
وقد ساهم ذلك بدفع الحكومات والمزارعين إلى الاستدانة لشراء المدخلات الزراعية (بذور محسنة، آلات، أسمدة، مبيدات، ديزل..الخ). كما ترتب عليه ربط الإنتاج بالسوق النقدي العالمي.

الدولار كعملة هيمنة وتصدير التضخم
بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد نظام بريتون وودز، 1944م أصبح الدولار أداة رئيسية لتسعير الغذاء والمواد الأولية والتجارة الدولية.
شركات المال الكبرى والمصرفيون استفادوا من هذا التحول لتمويل المشاريع أو شراء الأصول في دول ما يسمى بالجنوب العالمي (النامي)، وفي كل دورة ديون جديدة تتوسع قاعدة الربا ويُعاد تدوير الدولار.
تصدير التضخم يعني ببساطة أن أمريكا تطبع نقودًا أو تضخ سيولة، وتوزع أثر التضخم على الدول الأخرى عبر تسعير الغذاء والطاقة بالدولار، بينما تحافظ على قدرتها على امتصاص الموارد.

ضرب الاكتفاء الذاتي وتحويل المجتمعات إلى أسواق
عندما تم ربط الزراعة بالتمويل الربوي، أصبح الفلاح الصغير تحت رحمة القروض. عدم القدرة على السداد كان يعني بيع الأرض أو العمل كأجير، وهذا ساهم في تقويض الاكتفاء الذاتي.
الشركات الاحتكارية الغذائية والدوائية والتجارية استغلت التمويل الدولي لاحتكار سلاسل القيمة، بما فيها الغذاء والبذور وحقوق الملكية الفكرية، وهو ما جعل المنتج الريفي السابق مستهلكًا معتمدًا على السوق العالمية.

النتيجة الاجتماعية والاقتصادية
النتيجة النهائية هي اتساع قاعدة الفقراء وتراجع القوة الشرائية؛ لأن الأجور والإنتاج يتأثر سلباً بتضخم الأسعار الذي يغذيه التمويل الربوي وتوسع الديون.
اليوم، في كل الدول التي قلبت بأن تسمى (نامية) تدفع مليارات الدولارات سنويًا في خدمة الدين (فوائد فقط)، وفقا لتقرير البنك الدولي الأخير 2023م بلغت خدمات الدين التي تحولها (الدول النامية) للشمال العالمي (الناهب) واحد ترليون و400 مليار دولار سنوياً. وهكذا يستمر تآكل الدخل أمام أسعار السلع والخدمات، في ظل القبول بالربا وهيمنة اليهود المصرفيين على الاقتصاد العالمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى