الحروب والدولار الربوي تصدير الأزمات وعسكرة الاقتصاد
"رؤية لعدم تكرار غلطة بريتون وودز 1944م"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد محمد أحمد الانسي- خبير اقتصادي *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الدافع الرئيسي للعدوان الأمريكي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟
إنّ جوهر التورط الأمريكي في العدوان العسكري على إيران الإٍسلامية وعلى غيرها، يتمثّل في الأزمات المتراكمة التي يعاني منها النظام المالي العالمي القائم على الربا، وما يرتبط به من اختلالات هيكلية في التراكم الرأسمالي، حيث تُستخدم الحروب لتصدير الأزمات وتوزيع التضخم، وإعادة إنتاج منظومة النهب المالي على نطاق دولي.
فالحروب الأمريكية ليست منفصلة عن أزمة النظام المالي الربوي العالمي، بل هي إحدى أدواته الأساسية لتأجيل الانهيار، وتصدير الإفلاس، وإعادة تحريك الدولار وتدويره في نظام قائم على المحق والنهب والظلم.
لماذا إيران؟
1. السبب الأول لأن إيران الإسلامية تشكل حاجزاً معيقاً لمشروع الشرق الأوسط الجديد (الكيان الاقتصادي الكبير الذي يطمع به المصرفيون المرابون أو ما يسمى بـ(إسرائيل الكبرى).
2. الثاني: لأن إيران من البلدان القليلة جداً التي تمتلك مشروعاً مهدداً للمرابين الصهاينة؛ وهو مشروع الإسلام الحقيقي الذي يجعل الشعوب مرتبطة بالله رب العالمين رافضة للظلم والطغيان، وتكمن خطورة هذا المشروع بالنسبة لليهود والصهاينة بأنه يجعل الشعوب في جهوزية واستعداد للتضحية ضد الظلم والظالمين، ومانعة ومقاومة لمشاريعهم وأطماعهم الإجرامية.
3. الثالث: لأن إيران دولة ذات موارد ضخمة ويسعى اليهود والصهاينة إلى تحويلها إلى مركز طاقة وتجميع لكيانات النهب العالمي “المقنعة” في آسيا.
4. الرابع: هناك أطماع لقوى النهب الصهيونية بالسيطرة على إيران لموقعها الاستراتيجي كونها في قلب الموارد ومنتصف الطرق التجارية الدولية.
علاقة النظام الربوي بالحروب
• منذ أن تمكن المصرفيون المرابون بإقناع الملك وليام الثالث 1694 م بتأسيس بنك إنجلترا وجعله خاضعاً لهم وليس للدولة، بدأت المشكلة الاقتصادية المرتبطة بالحروب والحاجة إلى زعزعة استقرار الشعوب لتوزيع التضخم الربوي على الآخرين وتصدير الأزمات وصناعة الفوضى الخلاقة لفرص النهب والسيطرة.
• في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي ابتداء من 1870 إلى بدايات القرن العشرين 1914 أطلق المصرفيون المرابون المعيار الذهبي بطريقة ماكرة ومخادعة ملزمة لغيرهم وليست عليهم، وخلالها تم استخدام معيار الذهب كشراك مؤقت للسيطرة على ذهب العالم ثم احتجازه وإعلان العملات الورقية والذهب البنكي (الورقي) بديلاً عنه.
• لقد تمكن المصرفيون من جر العالم إلى العملات الورقية الخالية من أي شيء له قيمة.
• في 1933 تم في أمريكا الإعلان الرسمي بمنع امتلاك الذهب وتجريم من يتجاوز المرسوم الخاص بمنع امتلاكه.
• كانت الخطة التي وضعها المصرفيون تعتمد على إطلاق حروب كبرى وأزمات عالمية تمهد لمؤامراتهم الاقتصادية الكبرى التي عرفت باتفاقية النقد الأممية في بريتون وودز عام 1944 ومن خلالها تمكن المرابون من تقديم الدولار بديلاً عن الذهب.
• واستمرت خدعة ربط الدولار بالذهب إلى السبعينيات من القرن العشرين ثم حدث الانكشاف الفاضح للدولار المنتحل صفة الذهب حين خرج الرئيس الأمريكي (ريتشارد نيسكون) ليصدم العالم باعترافه الخطير في 15 أغسطس 1971م.
التحولات الاقتصادية التي فرضت نظاماً مالياً يعتمد على الحروب من (1694–إلى اليوم 2026)
1. رفع القيود عن الربا وتأسيس النظام المالي الربوي ابتداء من 1694م
• كانت القوانين واللوائح الصادرة عن الكنسية والحكام في أوروبا تجرّم الربا وتعتبره جريمة أخلاقية وقانونية، وصلت عقوبتها في بعض المراحل إلى الإعدام وإلى عقوبات أخرى قاسية بحق المرابين. استمرت هذه الحالة حتى أواخر العصور الوسطى.
• ثم حدث التحول الكبير بعد تأسيس بنك إنجلترا عام 1694، حيث جرى الانتقال من تجريم الربا إلى السماح به كأداة رسمية للتمويل العام، وربط الدين العام بالمصارف المركزية (الخاصة) المملوكة لحفنة من المرابين الكبار.
2. إدخال ثم إلغاء المعيار الذهبي كخدعة مؤقتة للسيطرة على ذهب العالم من 1870 إلى 1914
• تم ترسيخ المعيار الذهبي الدولي تدريجيًا منذ أواخر القرن التاسع عشر من 1870 إلى 1914م
• بعدها تم الكشف عن مؤامرات هادفة إلى السيطرة على الذهب واحتجازه لصالح مجموعة صغيرة من المرابين اليهود الكبار، تمهيداً لتقديم العملات الورقية بديلا عنه.
• في 1933 قامت السلطات الأمريكية بنهب الذهب من المواطنين بموجب مرسوم رئاسي معلن،
• وبموجب نفس المرسوم تم انتزاع الذهب من كثير من البنوك واستبداله بأوراق دولارية لصالح بنوك محدودة تحت سيطرة كبار المرابين اليهود.
• في إطار نظام بريتون وودز 1944 تعرض العالم لخدعة كبرى بموجبها قبلت الدول والشعوب بالدولار بديلا عن الذهب.
• في 15 أغسطس عام 1971 (صدمة نيكسون) اضطر المصرفيون المرابون للاعتراف بأن الدولار الأمريكي عملة عارية من القيمة ومن أي شيء له قيمة ونفع، وفي الوقت نفسه كان الإعلان هروباً من التزامات المالية بموجب اتفاقية بريتون وودز 1944.
• ومع ذلك قبلت الشعوب مرة أخرى بالدولار العاري بسبب قادة الأنظمة الخونة، وخضوعاً وخشية من جيوش المصرفيين المرابين.
3. تحويل الاحتياطي الجزئي من جريمة إلى عقيدة مصرفية (القرن 18–20)
• كانت ممارسة خلق الائتمان دون غطاء كامل تُعد تاريخيًا نوعًا من الاحتيال.
• في القرن التاسع عشر شهد تقنين نظام الاحتياطي الجزئي تدريجيًا، ليصبح في القرن العشرين القاعدة الأساسية للنظام المصرفي، حيث يُسمح للمصارف بتوليد نقود ائتمانية بلا حدود من غير نقد حقيقي، ونتج عن ذلك انتشار واسع للتضخم الربوي.
4. انشاء ونشر البنوك المركزية كأداة مالية فوق الدول (1913إلى اليوم2026)
• يشكّل تأسيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي عام 1913 نقطة مهمة في تاريخ البنوك المركزية، حيث انتقلت صلاحيات السيطرة على النقد من الدولة إلى كيانات ربوية لصالح اليهود المحتكرين.
• وتبع ذلك تعميم نموذج البنوك المركزية في العالم، لتصبح أهم أدوات التحكم والسيطرة والنهب وفرض التبعية الاقتصادية للمرابين.
5. توسع بورصات الأوراق المالية وتحولها إلى آلية سحب قيمة عالمية (من سبعينيات القرن العشرين إلى اليوم 2026)
مع صعود المشتقات بعد سبعينيات القرن العشرين، توسعت أسواق الأسهم والسندات والمشتقات المالية لتتحول من أدوات تمويل إنتاجي إلى منصات ضخمة للمضاربة الربوية ونقل الثروة. وأصبحت الأسواق المالية تفوق الاقتصاد والإنتاج الحقيقي حجمًا وتأثيراً.
6. ربط العالم بالنظام المالي القائم على فرض الديون وإغراق العالم فيها (1945– إلى اليوم 2026)
• بعد الحرب العالمية الثانية، جرى تعميم برامج الإقراض الدولي عبر البنك الدولي وصندوق النقد، ما أدى إلى تحويل الديون إلى أداة للسيطرة الاقتصادية، وتمكين العملات الورقية الكبرى من تصدير تضخمها إلى البلدان والشعوب المستهدفة بالنهب، وربط اقتصاداتها بسلاسل تبعية دائمة.
7. عسكرة النظام النقدي وربط الهيمنة العسكرية بالهيمنة المالية (1945–إلى اليوم 2026)
• منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أصبحت البنوك العالمية الكبرى والشركات العابرة للقارات تمتلك قوات عسكرية وحاملات الطائرات والقواعد العسكرية العالمية وجيوشاً تمارس الاحتلال والهيمنة.
• إلى يومنا هذا مازالت القوة الصلبة من الوسائل الأساسية التي يستخدمها المصرفيون المرابون لصناعة الطلب المستمر على الدولار وتمكين الشركات التابعة لهم من الاحتكار والهيمنة الاقتصادية.
8. صعود اقتصاد الظل والشركات متعددة الجنسيات كآلية لنقل القيمة (1970– إلى اليوم 2026)
• ابتداءً من سبعينيات القرن العشرين، ومع تفكيك القيود التجارية التنظيمية التي كانت موجودة تمكن المرابون من تحويل الشعوب من الاكتفاء إلى الاستيراد بعد تمكنهم من اختراق الوعي ومحو القناعات الثابتة بشأن مخاطر رأس المال الأجنبي الفاقد للقيمة، وأدى ذلك إلى الانتقال إلى اقتصاد الظل وربط البنوك العالمية بشركات أطلقوا عليها تسمية مخادعة هي (متعددة الجنسيات) لتمكينها من نقل القيمة ونهب الشعوب، وتصاعد دور البنوك العالمية والشركات العالمية كأدوات متخصصة في التالي:
1. نقل القيمة من البلدان الغنية بالثروات إلى بلدان بنوك وشركات النهب.
2. التلاعب بالتسعير التحويلي.
3. تفريغ الاقتصادات المحلية من قدراتها الإنتاجية.
فصل المال عن القيمة وهيمنة الرأسمالية المالية
لقد تشكّل النظام المالي العالمي تحت هيمنة شبكات الربا والمؤسسات المالية التي تسمى (عالمية) و(متعددة الجنسيات) و(عملاقة) وهي امتداد لبيوت المال اليهودية الربوية.
وتظهر بيانات تحالف المدخلات والمخرجات متعددة المناطق (ماريو)، ((MRIO ودراسات القيمة المضافة الدولية كما في دراسة “جيسون هيكل” التي بعنوان: (الاستيلاء الإمبريالي في الاقتصاد العالمي استنزاف الجنوب العالمي من خلال التبادل غير المتكافئ، 1990-2015)
في تلك الدراسة تأكيد دامغ بأن هيمنة المرابين المالية لم تفصل المال عن القيمة فحسب، بل أدّت كذلك إلى مصادرة القيمة الحقيقية من الدول (الغنية-النامية) المستهدفة بالنهب التي تسمى بالجنوب العالمي وتحويلها إلى ما يسمى بـ دول الشمال الغني (دول بنوك وشركات الهيمنة والنهب).
ويحدث هذا الاستيلاء عبر آليات مالية—وليست إنتاجية—تتحكم بالأسعار وسلاسل القيمة العالمية، وبشروط البنك الدولي وصندوق النقد ومنظمة التجارة العالمية المنحازة والتابعة منذ نشأتها للنظام المالي العالمي الربوي ولمن خلفه من الصهاينة المرابين
وقد تم تصميم هذه الأدوات بحيث تُسعّر موارد البلدان المستهدفة بأقل من قيمتها الحقيقية، بينما تُضخَّم قيمة السلع والخدمات المالية والتكنولوجية القادمة من بلدان قوى النهب الربوية.
وبذلك يصبح واضحًا أن فصل المال عن القيمة لم يكن مجرد تطور تاريخي للنقد، بل كان آلية هيمنة اقتصادية ألغت دور العمل والإنتاج، وأعادت صياغة مفهوم القيمة نفسه ليصبح تابعًا للمراكز المالية الكبرى، التي تتحكم بصنع السياسات النقدية ورسم معايير احتساب القيمة بطريقة ظالمة محتالة تكشف عن جشع كبير وإجرام بلا حدود تحمله النفسية اليهودية.
الدراسات العالمية التي تناولت (نقد) النظام المالي العالمي
يصف الدكتور (مايكل هدسون) هذا النمط من الهيمنة بأنه انتقال من الاستعمار العسكري إلى الاستعمار المالي، حيث تُستخدم الديون والخصخصة كآليات لانتزاع الفائض الاقتصادي وتحويل البنية التحتية إلى مصادر ريع خارجي، بما يعيد تشكيل الاقتصادات التابعة كامتدادات وظيفية لمراكز الرأسمالية العالمية.
وتتقاطع أطروحات الدكتور (فالنتين كاتاسونوف) مع تيار نقدي غربي واسع، يرى أن رأس المال الأجنبي والمؤسسات المالية الدولية لم تعد أدوات تنمية، بل تحوّلت إلى آليات لإعادة إنتاج التبعية، عبر نزع السيادة، تحويل الفائض إلى الخارج، وإعادة تشكيل الاقتصادات الطرفية كاقتصادات ريعية-تابعة، بما يحرم المجتمعات من بناء قاعدة إنتاجية مستقلة ويقوّض مفهوم التنمية.
والكثير من الدراسات العالمية المنصفة التي تناولت الانحراف الكارثي في النظام المالي العالمي -منها الدراسات التي قدمها الدكتور (جيسون هيكل) – ثمة تأكيد بأن النظام القائم على الإقراض والفوائد لا تعمل على الإصلاح الاقتصادي ولا تؤدي إلى نمو اقتصادي فعلي، بل تعمل لإعادة هندسة الاقتصادات ونهب الثروات والموارد وجعل البلدان الغنية بها تابعة لمصالح البنوك والشركات الكبرى
وترسيخ التبعية لهم على حساب القيمة والاقتصاد والمعيشة الخاصة بالبلدان المستهدفة.
كل تلك الأصوات وغيرها تشير إلى أهمية حماية القيمة من الربا، وتؤكد بإن النظام المالي القائم على فرض الديون وتوليد التضخم باستمرار لا يمثل محركًا اقتصاديا بل سبباً حاجزاً ومانعاً للنمو، ويعيد إنتاج التبعية ويدفع نحو تفضيل الحروب من أجل الوصول إلى الموارد والثروات وتوزيع التضخم وعسكرة الاقتصاد.
رؤية لعدم تكرار غلطة بريتون وودز 1944م
من أجل عالم خال من الحروب والظلم الاقتصادي
لا بد من توجيه الدعوة إلى إصلاح النظام النقدي وتحرير العملات من الربا والمرابين والأنظمة التابعة لهم حتى لا تتكرر الغلطة السابقة ويعود العالم إلى الحروب والفوضى الخلاقة لفرص توزيع التضخم الربوي.
إن الإصلاح النقدي في جوهره، هو معركة على القيمة ومن أجل القيمة ومن يملك حق إصدارها، ومن يتحمّل كلفة اختلال آليات انتاجها وتحصيلها. بمعنى آخر إنها معركة على السيادة والاستقلال والاستقرار الاقتصادي.
ولا بد من إدراك وفهم طبيعة عمل النظام المالي العالمي لأن ذلك يعتبر قاعدة مهمة يمكن الانطلاق منها باتجاه الإصلاح النقدي الهادف إلى إعادة ربط المال بالإنتاج.
أهمية التحرر من مركزية النقد الربوية بكل أشكالها
– لا شرقية ولا غربية-
لا بد من التحرر من المركزية النقدية والتبعية الاقتصادية التي يتم فرضها على الشعوب والبلدان، فمن دون الخلاص من هيمنة النقد الربوي ومركزيته العالمية ستظل أزمات الديون، والتضخم، ونقل الثروة، تتكرر بأشكال مختلفة، بينما يبقى جوهر الخلل قائمًا.
ومن هنا، أدعو إلى العودة إلى مفترق الطرق، إلى نقد حقيقي مرتبط بالقيمة والإنتاج بعيداً عن مركزية عالمية تفرض هيمنتها على الشعوب والبلدان الأخرى. حتى لا تتكرر غلطة العالم بقبول دولار سفاح مرة أخرى.
هذه الرؤية ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة تاريخية من أجل إعادة التوازن بين المال والإنتاج، بين الاقتصاد والإنسان، بين الإنسانية والعدالة والاستقرار.
إنها دعوة لتتمكن البشرية من الخلاص من هيمنة المرابين ونظامهم المالي القائم على الديون والتضخم والمعتمد على الحروب وزعزعة استقرار العالم من أجل توزيع التضخم وتصدير المشاكل وعسكرة الاقتصاد؛ لا بد من التصحيح والتحرر من الربا والمرابين لتحظى البشرية باستقرار وحياة كريمة خالية من النهب والظلم الاقتصادي والتجويع والحروب.