التمكين في رؤية الإسلام
أهم لبنات التنمية النافعة الشاملة وأهم متطلبات بناء الدولة الكريمة
كتب/محمد محمد أحمد الانسي*
ــــــــــــ
إنّ “تمكين” الإنسان من العمل والإنتاج والوصول إلى متطلبات الحياة الأساسية يعتبر حقًّا وواجباً على عاتق الدول والأنظمة التي تنتمي إلى الإسلام. ومن صميم اختصاصاتها حماية هذا “التمكين” من الفساد والتخريب.
يمكن القول بأن التمكين للفئة المحتاجة للتمكين يحقق التنمية الشاملة وفقاً لرؤية الإسلام الفريدة، فالتنمية الحقيقية تستهدف الإنسان الفرد والمجتمع، وتستهدف الانسان في كل مجالات الحياة التي تنتهي بتمكينه من الإنتاج والكفاف والعزة وتشمل الجوانب الأساسية كلها الصحية والتعليم والاقتصاد والتوازن بين الإنتاج والاستهلاك.
تبرير الإخفاق والتعثر في تحقيق “التمكين” يعتبر تناقضاً مع الإيمان بعدل الله وكماله وهو العظيم المنزه الكامل
في ظل الدولة الكريمة التي ينشدها الإسلام يصبح الوصول إلى أساسيات المعيشة ممكناً وحقيقيًا ومضمونًا لكل من يتواجد في ظلها، ومن عدل الله وكماله أنه وفر كل ما يلزم من متطلبات التمكين، ومن يقدم تبريراً للإخفاق والتعثر فهو يصم الله في عدله وكماله، وأي تبرير لتقصير القائمين على شؤون الناس يمثل تناقضًا مع الإيمان بكمال الله العظيم المنزه عن النقص والتقصير، ومؤشراً على عدم الثقة بكمال الدين وكفاءة التشريعات.
التزامات على الدولة بشأن التمكين
• تمكين الإنسان من العمل والإنتاج، وحمايته من الإغراق والتخريب والفساد.
• تمكينه من الائتمان الاقتصادي والمالي بطريقة عادلة، خالية من الاستغلال والظلم الربوي.
• تمكينه من فرص الدوران الاقتصادي، ومنع الاحتكار الذي يجعل المال والثروة (دُولة) بين فئة صغيرة محدودة من الأغنياء.
• تمكينه من الوصول إلى النعم المشتركة وأساسيات المعيشة دون معاناة وظلم يمس كرامته وعزته، ومن غير الاضطرار لهدر حياته في الصراع من أجل الحصول عليها.
دور الدولة الكريمة في التمكين
يتحقق التمكين الفعلي الذي أراده الله للإنسان عندما تتجسد دولة كريمة تضع الإنسان في صميم سياساتها، فتعمل على توفير البنية التحتية للخدمات الأساسية بشكل مجاني أو برسوم رمزية خالية من الاتجار والأرباح والاستغلال، على رأسها الصحة والتعليم والمياه والطاقة.
والدولة التي تعمل برؤية القرآن في واقعها العملي لا تكتفي بضمان وصول ميسر إلى الخدمات الأساسية كالمأوى والصحة والتعليم والماء والطاقة، بل تقدمها مجانية أو بأسعار رمزية، بما يضمن لكل فرد أن يعيش بكرامة دون أن تُرهقه تكاليف البقاء على قيد الحياة. كما أن الدولة في الإسلام ملزمة بتأسيس نظم وآليات عادلة لإدارة الموارد والخدمات، وإنزال تشريعات رب العالمين موضع التنفيذ، بما يحقق المحاسبة ويضمن النزاهة ويمنع الاستغلال والفساد والتجاوزات التي تنعكس ظلماً وضنكًا في معيشة الشعوب.
التمكين الفعلي يمنع الصعوبات أمام حق الائتمان المالي والاقتصادي
التمكين الفعلي يمنع الصعوبات أمام حق الإنسان من الحصول على الائتمان الاقتصادي والمالي بطريقة عادلة وخالية من الضرر والظلم الربوي، فيكون الائتمان رافعةً للتنمية الحقيقية النافعة، وليس أداة للهيمنة والظلم كما يحدث في ظل النظام المالي العالمي الربوي.
الضوابط الإلهية للتمكين
الرسالات الإلهية أكدت على هذا الحق، وخصّص القرآن الكريم مساحة واسعة للضوابط والإجراءات المتعلقة بالمال والتعاملات التجارية وآليات الانتفاع بالنعم. والعمل بها يحقق قاعدة العدالة الاقتصادية، ويؤسس للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ويجعل المال والإمكانات والنعم “قوامًا” لبناء الدولة الكريمة وتحقيق القوة الاقتصادية والشاملة.
التمكين وكرامة الإنسان
من خصائص التمكين بمفهومه القرآني العظيم أنه يحفظ للإنسان كرامته وعزته، فوظيفة التمكين هي منع معوقات وصول الناس إلى متطلبات معيشتهم الأساسية دون اضطرار لهدر حياتهم في صراع مستمر أو بحث مرهق عن سبل البقاء لأنفسهم ومن يعولون.
والالتزام بالضوابط والتشريعات الإلهية الخاصة بالتمكين يؤدي إلى استقرار اقتصادي واجتماعي، ويمكن المجتمعات والشعوب والدول من تبادل النفع بطريقة عادلة ومتوازنة.
التهديدات أمام تحقيق التمكين
رفض البشرية لتوجيهات الله جعلهم ضحايا لخداع اليهود المرابين وتضليلهم، ما أدى إلى قبولهم بالربا والاحتكارات والاستغلال التجاري في المجالات التي تمس الكرامة الإنسانية، ومنعها تعذر الوصول إلى حق الائتمان الاقتصادي والمالي، والتعليم، والصحة، والماء والطاقة.
السياسات الاقتصادية المعمول بها في العالم اليوم قائمة على الربا والاحتكارات، ومتعارضة مع مبدأ التمكين، وهي السبب المباشر في دورات الكساد التي تضعف القدرة الشرائية للشعوب، وتؤدي إلى ركود المنتجات، وتهدد استقرار العملات، وتؤثر على التنمية والاستقرار الاجتماعي.
أهمية تطبيق مفهوم التمكين
تتضح أهمية العمل بمفهوم التمكين وفقاً لرؤية القرآن، لأنها تحقق توزيعًا عادلًا للفرص، وتداولًا سليماً ومتوازنًا للنعم والمنافع، وتضمن للإنسان حقه في الحياة الكريمة والتنمية التي يحتاج إليها.
التمكين كركيزة للتنمية الحقيقية الشاملة
التمكين الفعلي وفقاً لرؤية الإسلام هو أهم وسائل تحقيق القسط وتقديم الشهادة على كمال الله وكفاءة تشريعاته؛ لأنه يركز على الفئة السكانية الكبرى، والفئة المستضعفة المحتاجة للتمكين فيجعلها محور اهتمامه وميدان عمله وبالتالي يحدث التوازن الاقتصادي بمجرد تمكينها من الإنتاج باعتبارها الفئة الأكثر استهلاكاً وجعلها بلا انتاج تحت أي مبرر من شأنه أن يؤدي حتماً لتفاوت وانهيار المجتمع. وفي الغالب تكون أسباب الاختلال في هذه القاعدة هي فتح أبواب البلدان على مصراعيها للاستيراد والسماح بسياسات تقمع الإنتاج المحلي وتحتكر السلع الأساسية لصالح فئة صغيرة من الهوامير أو عمالقة التعليب والتعبئة والاستيراد الذين في الغالب هم تجار مولهم البنك الدولي ومؤسسته المتخصصة بهدم الاقتصادات والسيطرة عليها المعروفة بمؤسسة التمويل الدولية (IFC)
تكمن أهمية هذا التمكين في كونه الوسيلة التي تُمكّن الإنسان من أداء دوره في عمارة الأرض والمساهمة الفاعلة في التنمية الفعلية بأبعادها المختلفة.
هذا النوع من التمكين ليس مجرد أداة استقرار اجتماعي واقتصادي؛ بل هو جوهر مهمة الإنسان في الاستخلاف، من خلاله يقام القسط وتقديم الشهادة على كمال الله وكمال دينه وكفاءة تشريعاته، وإيصال رسالة الإسلام للعالمين بطريقة جذابة عزيزة كريمة وإحسان يشد الأمم الأخرى إلى الله وإلى دين التسليم له.
…
والله الموفق
…
مؤلف كتاب الأمن الغذائي العالمي (علاقة اليهود بتدمير الاكتفاء الذاتي وتدمير الشعوب)