الاقتصادي

اتجاهات الوضع الاقتصادي العالمي

(أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا)

قراءة في تحولات الطاقة والمال والثروة
كتب
محمد محمد أحمد الانسي
خبير اقتصادي
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

يمر الاقتصاد العالمي بمرحلة تتداخل فيها أزمات الطاقة، وارتفاع تكلفة رأس المال، وتضخم مستويات الدين، واضطراب سلاسل التوريد، والتوترات الجيوسياسية، في الوقت الذي تتسارع فيه عملية إعادة توزيع الثروة والأصول بين الدول والقطاعات والفئات الاجتماعية.
هذه التطورات مرتبطة ببعضها، فأسواق الطاقة تؤثر مباشرة في تكاليف الإنتاج والنقل، وارتفاع أسعار الفائدة يزيد من تكاليف التمويل وفوائده، وتفاقم أعباء الديون الربوية يدفع الحكومات والشركات إلى إعادة التمويل أو بيع الأصول، وفي ظل هذه التقلبات المرتبطة بإعادة التسعير تستفيد قطاعات التمويل والطاقة وإدارة الأصول.

الطاقة كمكون أساسي في الاقتصاد
تعد أسواق الطاقة نقطة الانطلاق الأساسية لفهم المرحلة الراهنة، ومن الواضح وجود محاولات عديدة بهدف التأثير في أسعار الطاقة من الحديث عن تخفيف العقوبات، إلى الإفراج عن الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية، وصولًا إلى إعادة ترتيب مسارات التصدير والإمدادات.
لكن هذه السياسات تواجه اتجاها معاكسا؛ إذ أصبحت الدول أكثر حرصا على الاحتفاظ بمخزوناتها الاستراتيجية بدلًا من الإفراج عنها، بسبب المخاوف المتعلقة بأمن الطاقة واستمرار التوترات الدولية.
وقد ساهم ذلك في إبقاء الضغوط على أسواق المشتقات النفطية، ولا سيما الديزل.
والأهم هنا أن متابعة سعر برميل النفط الخام وحده لا تكفي لفهم حقيقة أزمة الطاقة؛ فالفارق بين سعر الخام وأسعار المنتجات المكررة، وخصوصًا الديزل ووقود الطائرات، يكشف جانبًا أكثر أهمية من الاختلالات الموجودة في السوق.
ويمثل نقص الديزل عاملًا بالغ الأهمية؛ لأن الديزل ليس مجرد وقود للاستهلاك المباشر، وإنما يدخل في النقل البري، والشحن، والزراعة، والتعدين، والصناعة، وسلاسل التوريد.
قد يكون سعر النفط الخام مستقرا نسبيا، بينما ترتفع أسعار الديزل والمشتقات النهائية بدرجة أكبر نتيجة نقص قدرات التكرير أو اضطراب الإمدادات أو ارتفاع تكاليف النقل.
لذلك تصبح أسعار المنتجات المكررة أكثر دلالة من السعر الاسمي للنفط الخام في بعض مراحل الأزمة.

فعندما ترتفع تكلفته، تنتقل الزيادة تدريجيًا إلى معظم السلع والخدمات. وإذا استمر نقص المعروض وارتفاع الأسعار، فالنتيجة زيادة الأسعار، وتدمير جزء من الطلب نفسه عندما تصبح التكلفة أعلى من قدرة المستهلكين والشركات على التحمل.

إعادة تشكيل خريطة الطاقة
دفعت التوترات الدولية عددًا من الدول إلى البحث عن مسارات بديلة لتصدير النفط والغاز بعيدًا عن نقاط الاختناق التقليدية.
وتبرز في منطقة الخليج مشروعات ومسارات بديلة تسمح بتجاوز بعض الممرات البحرية الحساسة، إلى جانب توسع مشروعات خطوط الأنابيب ومرافق الغاز الطبيعي المسال.
كما أصبح شرق البحر المتوسط وشمال أفريقيا وتركيا ومصر جزءا من عملية إعادة رسم طرق نقل الطاقة.
وهذه التطورات لا تتعلق بتوفير النفط والغاز فقط، وإنما ترتبط بإعادة تشكيل النفوذ الاقتصادي والسياسي؛ فالممرات وخطوط الأنابيب والموانئ ومرافق التسييل أصبحت أصولا استراتيجية تحدد قدرة الدول على المناورة أثناء الأزمات.
لذلك تتزايد أهمية متابعة التدفقات الفعلية للطاقة ومسارات الشحن بدل الاكتفاء بمتابعة التصريحات السياسية أو الأسعار المعلنة في الأسواق الآجلة.

أزمة عرض وأزمة تمويل في الوقت نفسه
تختلف الأزمة الحالية عن كثير من الأزمات الاقتصادية السابقة؛ لأنها تجمع بين ارتفاع تكلفة الطاقة وارتفاع تكلفة رأس المال. فالاقتصاد يواجه ضغطا من جانب العرض نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات سلاسل التوريد، وفي الوقت نفسه يواجه ضغطا ماليا نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة وعوائد السندات.
وعندما ترتفع تكلفة الطاقة، ترتفع تكلفة الإنتاج والنقل. وعندما ترتفع أسعار الفائدة، ترتفع فوائد التمويل الربوي في قروض الشركات والمنازل والحكومات.
وهذا التداخل يزيد من صعوبة السيطرة على التضخم؛ لأن رفع أسعار الفائدة قد يحد من الطلب، لكنه لا يستطيع زيادة إنتاج النفط أو الديزل أو إصلاح سلاسل التوريد، ويصبح استخدام السياسة النقدية وحدها لمعالجة التضخم محدود الفاعلية عندما يكون جزء كبير من المشكلة مرتبطًا بجانب العرض. وهذا نتاج طبيعي لتصميم المتعمد في هياكل الاقتصاد العالمي القائم على الربا والظلم والاحتيال.

هل تكفي مقارنة المرحلة الراهنة بظروف السبعينيات؟
يمكن العثور على بعض أوجه التشابه بين الوضع الراهن وأزمات الطاقة التي شهدها العالم في سبعينيات القرن العشرين، لكن هناك فارقا جوهريا يتمثل في مستوى المديونية.
فالدين العام الأمريكي اليوم أعلى بكثير مما كان عليه في السبعينيات، فقد ارتفعت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات تجعل زيادة أسعار الفائدة أكثر خطورة.

كل ارتفاع في معدلات الفائدة يعني زيادة المبالغ التي يتعين دفعها لخدمة الدين. وعندما يكون الدين بعشرات التريليونات من الدولارات، فإن انتقال متوسط تكلفة التمويل إلى مستويات مرتفعة يمثل عبئًا هائلًا على المالية العامة. وهكذا تجد السلطات المالية نفسها أمام معادلة معقدة؛ فهي بحاجة إلى رفع الفائدة الربوية بمبرر الحد من التضخم، وفي نفس الوقت تشكل استمرار الفائدة المرتفعة ضغطاً على الأنظمة المالية. ولا مناص مع القبول بهياكل الاقتصاد الذي صنعه أولياء الشيطان من وصفهم الله بأنهم (شر مكاناً وأضل عن سواء السبيل).

أزمة سندات وإعادة تمويل
أصبحت سوق سندات الخزانة الأمريكية مركزا رئيسيا لهذه المعادلة. فالطلب على السندات قصيرة الأجل قد يبقى قويا نسبيا، بينما يطالب المستثمرون بعوائد أعلى للاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل. وهذا يدفع وزارة الخزانة إلى إدارة آجال الدين بصورة أكثر نشاطا، وإعادة شراء بعض الإصدارات، وزيادة الاعتماد على التمويل الأقصر أجلا عندما تكون تكلفته أقل. لكن الاعتماد المتزايد على التمويل قصير الأجل يعني الحاجة المستمرة إلى إعادة التمويل.
وتتحول عملية تجديد الدين إلى أحد أهم عناصر استقرار النظام المالي. ويزداد الأمر تعقيدا مع بيع بعض البنوك المركزية الأجنبية للسندات الأمريكية، وإن كان الطلب المحلي والطلب المرتبط بالنظام المالي العالمي والدولار لا يزالان يوفران قاعدة مهمة لهذه السوق.
في ظل الأنظمة الربوية، لا يشكل حجم الدين وحده أهم التحديات، وإنما السعر الذي يمكن عنده إعادة تمويل هذا الدين باستمرار.

انتقال الثروة من المستهلك إلى مالك رأس المال
تكشف الأزمة عن عملية أوسع لإعادة توزيع الثروة. فعندما ترتفع أسعار الطاقة، تستفيد الدول والشركات القادرة على إنتاجها أو تكريرها، بينما تتحمل الدول والشركات والأسر المستهلكة التكلفة.
وعندما ترتفع أسعار الفائدة، يستفيد الدائنون وحملة السندات من العوائد الأعلى، بينما يتحمل المقترضون زيادة تكلفة القروض. وبذلك تنتقل موارد مالية بصورة متزايدة من المستهلكين إلى منتجي الطاقة، ومن المدينين إلى الدائنين، ومن الأسر المقترضة إلى المؤسسات المالية، ومن الشركات الصغيرة التي تعاني من ارتفاع تكلفة التمويل إلى الشركات الكبيرة الأكثر قدرة على الوصول إلى رأس المال. والنتيجة في صورة إعادة توزيع واسعة للثروة لصالح الجهات التي تمتلك الطاقة أو الائتمان أو الأصول.

المجمع الصناعي المالي
في هذا السياق تبرز أهمية المجمع الصناعي المالي، الذي يضم شبكة واسعة من البنوك، وبنوك الاستثمار، ومديري الأصول، وصناديق التقاعد، وأسواق السندات، ومؤسسات التأمين، والجهات التي تدير عمليات الإصدار والتمويل والتوريق.
في هذا الخليط من الهياكل الربوية ترفع التقلبات عمليات التداول، وتتولد المزيد من رسوم الاستحواذات؛ وفي نفس الوقت يجذب اضطراب الأسواق، فرصا للاستحواذ على الأصول التي تنخفض أسعارها نتيجة حاجة مالكيها إلى السيولة. وكما يقال في المثل الشهير؛ “مصائب قوم عند قوم فوائد”، فإن التقلبات الاقتصادية ليست حدثا سلبيا بالنسبة لبعض الأطراف، فهي تحولات تحمل فرصا لإعادة تجميع الأصول لدى المؤسسات المالية الكبرى.

التقلبات وسيلة لإعادة تركيز الأصول
في الأزمات تضطر الجهات الصغرى إلى البيع بسبب نقص السيولة، وأمام ذلك يتمكن مدراء الأصول الكبار والمؤسسات ذات السيولة المرتفعة شراء تلك الأصول بأسعار مخفضة في ظروف الأزمات. وتتحول الأزمات المالية إلى آلية لنقل الأصول من الأطراف الأقل قدرة على تحمل التقلب إلى الأطراف الأكثر سيولة وقوة مالية.
وبذلك يصبح مديرو الأصول جزءًا مركزيا في تحديد الجهة التي تحصل على التمويل، والقطاع الذي يتوسع، والأصول التي يعاد تقييمها، والشركات التي تستطيع الوصول إلى رأس المال.

الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات
إلى جانب النظام المالي التقليدي، يتشكل مركز جديد للثقل الاقتصادي يتمثل في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
فإذا كانت سندات الخزانة تمثل أحد الأعمدة الأساسية للنظام المالي الغربي، فإن مراكز البيانات أصبحت من الأعمدة الأساسية للاقتصاد التكنولوجي الجديد.
هذه المراكز تحتاج إلى استثمارات في الكهرباء، والرقائق، والتبريد، والأراضي، وشبكات الاتصالات،
والكابلات، والأقمار الصناعية، وأنظمة التخزين والحوسبة. وهذا يربط الذكاء الاصطناعي مباشرة بالطاقة والتمويل والبنية التحتية. والتوسع الكبير في قدرات الذكاء الاصطناعي يتطلب رأس مال ضخما وطاقة إضافية، وهو ما يجعل القطاع جزءا من التحولات المالية والطاقة العالمية، لا مجرد قطاع برمجيات.
كما أن التداخل بين شركات الفضاء والاتصالات والسيارات والبيانات والذكاء الاصطناعي يخلق بنية تقنية متكاملة تستطيع جمع كميات هائلة من البيانات وتحليلها وربطها بالبنية الاقتصادية والعسكرية.
وهكذا تزداد القيمة الاستراتيجية للشركات التي تسيطر على البنية التحتية الرقمية والفضائية ومراكز البيانات.

المال والدين وبنية الإمبراطوريات الحديثة
في ظل النظام العالمي الربوي، تقوم البنية المالية الحديثة إلى حد كبير على إصدار النقود والائتمان في صورة التزامات وديون، ثم إعادة تدوير هذه الديون داخل النظام المصرفي وأسواق رأس المال.
وتزداد قوة النظام عندما ترتفع أسعار الأصول وتبقى الأسواق قادرة على إعادة تمويل الديون؛ لكن عندما تبدأ أسعار الأصول في الانخفاض أو ترتفع تكلفة التمويل بشدة، تظهر الضغوط. وفي هذه المرحلة قد تتحمل الدولة جزءًا من الخسائر من خلال عمليات الإنقاذ والدعم والضمانات، بينما تبقى الأرباح المتحققة في المراحل الصاعدة لدى القطاع الخاص.
وهكذا تتشكل بنية يكون فيها جزء من الأرباح خاصًا، بينما تتحول نسبة من الخسائر الكبرى عند الأزمات إلى تكلفة عامة تتحملها الحكومات أو دافعو الضرائب أو النظام النقدي. وتزداد تبعية الحكومات للقطاع المالي كلما زادت حاجتها إلى الاقتراض وإعادة التمويل.
إنه الواقع الذي أشار إليه رب العالمين في كتابه الكريم محذرا من الربا: (ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَوٰا۟ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَٰنُ مِنَ ٱلْمَسِّ).

أوروبا بين أزمة الطاقة والعسكرة
تواجه أوروبا وضعًا بالغ الحساسية نتيجة اجتماع عدة عوامل متداخلة؛ بين ارتفاع تكلفة الطاقة، وتباطؤ النمو، وارتفاع الإنفاق العسكري، وتفاقم المديونية، والاحتجاجات الاجتماعية، والتوتر المستمر مع روسيا.
هذه الظروف تدفع الحكومات الأوروبية إلى زيادة الإنفاق الدفاعي ورفع ميزانيات الناتو وتطوير الصناعات العسكرية. والإنفاق العسكري الكبير يحتاج إلى تمويل، ولتغطية ذلك لا بد زيادة الضرائب أو خفض الإنفاق الاجتماعي أو زيادة الاقتراض. وكلها أمور يترتب عليها زعزعة الاستقرار الداخلي.

الاضطراب الاجتماعي
في بيئة الفوضى الخلاقة للفرص، التي قبلت بها البشرية فأصبحت هي الواقع الراهن، كلما ارتفعت تكلفة المعيشة وتراجعت القوة الشرائية، ازدادت احتمالات الاحتجاج والاضطرابات الاجتماعية. وفي المقابل، تميل الحكومات إلى توسيع أدوات الرقابة والمراقبة تحت عناوين الأمن ومكافحة الجريمة وحماية النظام العام.
وتشمل هذه الأدوات مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي، وتوسيع استخدام البيانات الرقمية، وتطوير تقنيات التعرف والرصد والتحليل الاستباقي. وبذلك تتقاطع ثلاثة اتجاهات في الوقت نفسه وهي؛ زيادة الإنفاق العسكري، وتوسع الإنفاق الأمني والتقني، وتنامي دور شركات التكنولوجيا والبيانات. وتتحول الأزمات الاجتماعية، في هذه الحالة، إلى سوق جديدة لتكنولوجيا المراقبة والأمن.

أزمة الدين وبيع الأصول
إذا وصلت دولة إلى مستوى يصعب معه إعادة تمويل ديونها بالشروط المعتادة، فإنها تصبح معرضة لأزمة دين سيادي. وفي هذه المرحلة غالبًا ما تظهر برامج إعادة الهيكلة، بزيادة الضرائب، وبيع الأصول العامة، وخصخصة بعض القطاعات، وإعادة هيكلة المؤسسات الحكومية.
يستغل المرابون هذه الظروف التي صنعها نظامهم المختل، فتدخل شركات الأسهم الخاصة ومديرو الأصول إلى السوق لشراء الأصول المتعثرة أو التي أصبحت الحكومات مضطرة إلى بيعها. وبذلك يمكن أن تتحول أزمة الدين السيادي إلى عملية واسعة لنقل أصول عامة وخاصة إلى المستثمرين ذوي القدرة المالية المرتفعة.

الحروب كعامل لإعادة التسعير
الحروب والتوترات العسكرية تلعب دورا كبيراً في إعادة تسعير الطاقة والمواد الخام والأصول المالية، وكل تصعيد عسكري يرفع أسعار النفط والغاز، ويغير تكلفة التأمين والشحن، ويؤثر في العملات والسندات. ويؤدي إلى زيادة الإنفاق العسكري وتمويل شركات السلاح والتكنولوجيا.
وتظهر الحرب الأوكرانية مثالا واضحا على التداخل بين الجغرافيا السياسية والطاقة والصناعة العسكرية. وفي الوقت نفسه، تسهم التطورات المرتبطة بإيران والشرق الأوسط في إعادة تشكيل الحسابات المتعلقة بالممرات البحرية وإمدادات الطاقة والتوازنات الإقليمية.
كما أصبحت الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة جزءًا رئيسيًا من الصراعات الحديثة، فتحولت ساحات الحرب إلى ميادين لاختبار تكنولوجيات جديدة قبل توسيع استخدامها تجاريًا وعسكريًا.

الخلاصة
تبدو التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي مترابطة أكثر مما تبدو عليه عند النظر إلى كل أزمة بصورة منفصلة. فأزمة الطاقة تؤثر في التضخم، والتضخم يؤدي إلى رفع أسعار الفائدة. وارتفاع الفائدة يزيد تكلفة خدمة الدين، وزيادة تكلفة الدين تضغط على الحكومات والشركات والأسر. وهذه الضغوط تؤدي إلى بيع الأصول أو إعادة تمويلها. وتستفيد المؤسسات التي تمتلك السيولة من شراء الأصول وإعادة تجميعها. وفي الوقت نفسه تؤدي الصراعات الجيوسياسية إلى إعادة تشكيل الممرات التجارية وأسواق الطاقة والإنفاق العسكري.
تؤدي الاضطرابات الاجتماعية الناتجة عن ارتفاع تكلفة المعيشة إلى توسع أدوات الأمن والمراقبة. وبذلك تتقاطع الطاقة، والمال، والدين، والتكنولوجيا، والحرب، والممرات التجارية، وإدارة الأصول في عملية واحدة واسعة لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي.
لفهم هذه العملية لا يكفي تتبع الأخبار والعناوين السياسية؛ بل من خلال متابعة المؤشرات الأكثر عمقا، ومعرفة حركة الطاقة الفعلية، ومسارات التجارة، وتكلفة رأس المال، وتدفقات الدين، والجهات التي تشتري الأصول أثناء الأزمات، والقطاعات التي تستفيد من زيادة الإنفاق، والجهات التي تنتقل إليها الثروة عند كل عملية إعادة تسعير.
وأهم اشكال التحول في المرحلة الراهنة هو إعادة توزيع القوة الاقتصادية والملكية بين المنتج والمستهلك، وبين المدين والدائن، وبين الدولة ورأس المال، وبين المؤسسات الصغيرة والكيانات المالية الكبرى. ولرؤية ما يحدث بشكل أوضح يمكن متابعة مسار الأموال والأصول والطاقة أكثر أهمية من متابعة الروايات المتغيرة؛ لأن هذه المسارات تكشف، في النهاية، أين تنتقل الثروة، ومن يتحمل تكلفة التحولات، ومن يخرج منها أكثر قوة.
باختصار شديد.. يمكن القول بأن الوضع العالمي الراهن يعكس صورة فعلية للواقع الذي ورد في القرآن الكريم في قول الله تبارك وتعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا). صدق الله العظيم.
إن الواقع الراهن لا يخرج عن معادلة السنن الإلهية التي تضع البشرية أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما الاستجابة لله والعمل بإرشاده وتشريعاته التي فيها الخير والصلاح والاستقرار للناس، أو السقوط في شرك الطاغوت وأولياء الشيطان وتحمل الشقاء والمعيشة الضنكا بأشكال عديدة.
قال الله رب العالمين: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ۝٣٦﴾.
وطالما استمر الناس رافضين الاستجابة العملية لله الذي خلقهم وخلق السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير، سيقودهم إلى المعيشة الضنكا، والشقاء في الحياة الأولى القصيرة، وتصبح المشكلة أكثر خطورة حين يكون هذا الشقاء قائداً وسبباً للشقاء في الحياة الحقيقة الدائمة، وسبباً للمصير النهائي السيء في الجحيم.
والله ولي التوفيق والهداية.

#الاقتصاد
#الدولار
#أمريكا
#النفط
#البترودولار
#الربا
#التضخم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى